القط الأسود ابتلع محترف نحت في مشتى الحلو
لن تقتنع، في ساعات الصباح وما قبل السهرة، بما قاله البعض لك.
ستكون وجهاً لوجه أمام الــوادي الأخضر، والمتبرّج بالأسقف القرميدية، وهي صورة شكّلت ذاكرة الكثيرين عن بلدة مشتى الحلو قرب مدينة طرطوس قبل زيارتها.
لكن صــورة الذاكــرة هــذه كانـت تعجّ بالناس، أما الصورة الواقعية فتبدو خاوية تقريباً.
لن يفارقك الشعور بأنك تجلس في جوف حيوان أليف، قط أسود تحديداً، وهو يغط في خمول وقيلولة تمتدان من الصباح وحتى يتكئ قرص الشمس على كتف الجبل. ومهما قاومت، فإن حالة الاسترخاء ستطبع مزاجك. حالة من الأفضل الاستسلام لها، لأنها عقد عام، ومعمول به بين الجميع. وللتأكيد عليه، يحضر وديع الصافي في كل المقاهي وفي وسائل النقل، بكل عتاده الريفي، وخصوصاً «عصفورة النهرين».
أما شحذ النفس بحيوية مُقاوِمة فهو محاولة عابثة لرفع غطاء ثقيل من الاسترخاء. ببساطة، يبدو مستحيلاً الخروج من جوف القط الأسود الذي يبسط أطرافه مشكّلاً تضاريس الجبل والوادي.
ستستغرب عندما يقال لك إن عدد سكان البلدة لا يتجاوز الثلاثة آلاف شتاءً، لكنه يصل إلى قرابة المليون صيفاً. يدهشك الرقم! أين يختبئ هذا العدد من الصباح إلى المساء؟
أليس غريباً أن هذا الكم لا يترك دلالة عليه؟
ثم… فجأة، يظهرون. وكأنهم خرجوا من صنابير خفية، يظهرون.
أتظن أن استضافة البلدة لملتقى عالمـي للنحت سيجعلها ترتدي هيئة الورشة؟
ستصادف الناس وهم يتحدثون عن الـحدث السنوي، وستلقاهم بين الناحتين، يحــادثونهم وربما من بـاب الفضول. لكن لا أثر لتلك التصورات.
مكان الملتقى يقع على جانب الشارع الرئيسي الذي يصير رصيفاً مثـل ممر كهربائي متحرك. يذهب الناس بسرعات واحدة في هذا الاتجاه، ويرجعون بالترتيب ذاته في الاتجاه الموازي.
الأثر الوحيد لورشة النحت، غير صخب أدوات القطع والغبار الفضي، هو التوقف المؤقت لشاغري الممر الكهربائي الكورنيش.. التوقف يتبعه النظر بعيون محترسة، يبدو فيها بعض الحياء والاستعداد الكامل للمضي بلامبالاة. تصرف كهذا يحكم علاقة السكان المحليين باستعراض يحييه غرباء.
إذاً، ليس دقيقاً القول إن البلدة تستضيف الملتقى، وإنما أحد أبنائها يفعل، وهو الممثل فارس الحلو.
يحلو لبعض الأهالي التنويه تباهياً بأنهـم أقرباؤه، ولكنك تكتشف تباعاً أنهم لا يعرفون الكـثير عما يقــوم به. يعرفون ما هــو بادٍ للعيـون ملتقى وبشر ينحتون.
البعض لم يعرف إن كان النحاتــون أجانب أم ســوريون. اكتراثهم بالحدث كان في معدلاته الطبيعية.
يقول بعض النحاتين ممن احتكوا الســكان، وخصــوصاً سائقي سيارات الأجرة المجتمعين في ساحة البلدة، إن أسئلتهم حسابية، أرادوا معرفة كم يتقاضى النحات، وهل يأخذ أجرة يومية أم على مجمل عمله؟ أما حول تمثاله فما كانوا يسألون.
وغير الملصقات التي وزعها منظم الملتقى، لن تصادف لافتات عادة ما يكتبها الأهالي للترحيب بالضيوف. لافتات كهذه ستكون حاضرة قبل أسبوع من أي مناسبة رسمية. وربما بعد القنوط من رد فعل الأهالي تجاه مناسبــة ألصقت بها صفة «الأهلية»، بادر المنظمون إلى تجهيز لافتة. سيكتبون عليها: أهالي بلدة مشتى الحلو يرحبون بضيوف ملتقى النحت!
النحاتون الأجــانب بدوا فــي مزاج عالٍ مقــارنة بزملائهم السـوريين.
برر البعض ذلك بأن الأجانب هم سياح بالنتيجة: «أما نحن فلدينا همّنا».
قصدوا أن السوريين ينجزون أعمالاً سيراها ويقيّمهـا زمـلاؤهم ومواطنوهم، وهذا يستتبع مســؤولية مضــافة. أي أن المسؤولية، من هذه الزاوية، تعني الصرامة والتأفف أحيـاناً، ولا يمكن أن تُستقبل بأحضــان الابتســام.
هناك تبعات لـذلك. مثلاً، أحد النحاتين بدا يائساً تماماً وهو يتحدث عن فرق التطور بين معدّاته وتلك التي يستخدمها الأجانب. عندما تنقطع الكهرباء، ولقد انقطعــت عـدة مـرات، يجلس منتظراً رحمتها. أما معدّات الأجانب فتمكنهم من الاستغناء عن منّة الكهرباء. هذه المقارنة تتبعها أخريات. هم يتاح لهم التجول في العالم والمشاركة في ملتقياته، نحـن بشق الأنفس نشارك في واحد كل بضع سنوات.
منظم الملتقى لاحظ فرق المزاج بين ضيوفه. كان يقلقه ذلك ويتساءل: «لا أعرف لماذا لا أشعر بأن النحاتين السوريين مسرورون. كثيراً ما أراهم عابسين، وكأنهم مكلفون بمهمة رسمية وعليهم إنجازها،.يبادر البعض إلى التجول بين المنحوتات.
يلتقطون صوراً ويغادرون أحياناً من دون أي تعليـق، وكــأن النحاتين وأعمالهم سواء لديهم. فحتى عندما يقررون التفاعل يقومون به باسترخاء. بأقل جهد ممكن. في المقاهي، يجري الشيء ذاته. قد تشاهد الناس جالسين قبالة بعضهم لفترة طويلة ولا يتحدثون.ش
يستقرون على رمي نظراتهم في الوادي، بينما يواصلون نفث دخان نراجيلهم.
وفي المشوار أيضاً. يمشون بإيقاع رتيب، لا يشوبه انفعال زائد، أو تصرف نافر عن المجموع السائر.
في الساحة، يواصل أكثر الشباب نوعاً آخر من الاسترخاء. كل يحمل زجاجة بيرة، ويراقب. حالة الكمونة هذه تثير الاستغراب فعلاً. ربما كون معظم السكان مغتربين، ولا يتواجدون هنا إلا صيفاً، فهم يعودون نافذي الطاقة.
بيوتهم التي يحرصون على الاعتناء بأدق مستلزماتها، تدلّ على أنها معدة لاستجماع قواهم من جديد. البلدة ككل معدّة لذلك أيضاً، وقد لا تكون التماثيل التي ستوزّع في أنحائها إلا وسيلة مكملة لذلك… لاسيما إذا علمت أن الأسلوب «الواقعي التعبيري» كان شرطاً لإنجاز الأعمال النحتية.
قد يفعّل الوقت أثرها الحقيقي. وقد يزداد جوف القط الأسود امتلاءً بالخمول، وخصوصاً أنه واقعي جــداً… ومعبّر بما يفوق الاحتمال..

