النحت مصيدة لجذب السياح إلى سورية

الملتقى الثاني في «مشتى الحلو» يحصد جمالا واستثمارات

بعد نجاح تجربة ملتقى النحت الأول في «مشتى الحلو» العام الماضي، هاهي التجربة تستعاد، على نحو أوسع للسنة الثانية على التوالي بجعله ملتقى دولياً، يشارك فيه نحاتون أجانب ممن تميزوا بأسلوب تعبيري واقعي يتفاعل معه المثقف كما المواطن العادي. 

وقد حرص فارس الحلو ابن بلدة مشتى الحلو ذات الطبيعة الخلابة على أن تكون الأعمال الفنية التي يقدمها الملتقى مفهومة من قبل الناس، وقادرة على إقامة حوار ثقافي وبصري، يطلق العنان للخيال من خلال التآلف بين الفن والطبيعة. 

من هنا جاء عنوان الملتقى «جمال الحب» لتتمحور حوله موضوعات المنحوتات، ويشكل دعماً للسياحة الثقافية التي انطلق منها هذا المشروع الطموح. 

وتم اختيار البلدة كمكان للملتقى كي يستفاد من ميزاتها، كأحد المواقع السياحية المهمة في سورية، الواقعة على مسافة متساوية من طرطوس وحمص وحماه، تتميز بطقس جميل وطبيعة أخاذة، كما تتوفر فيها الخدمات السياحية، إلى جانب تمتعها بمزايا بشرية خاصة، كارتفاع نسبة التعليم وكثرة المغتربين من أبنائها الذين يعودون صيفاً، ويخلقون أسوة بالسياح حالة من التفاعل الاجتماعي، تمثل جميعها بيئة نموذجية لتنفيذ مشروع إبداعي خلاق.

على مدار شهر كامل، تقيم ورشة البستان للثقافة والفنون التي أسسها الممثل فارس الحلو في بلدة مشتى الحلو (220 كلم شمال دمشق) ملتقى النحت الدولي الذي يستمر حتى 10 يوليو (تموز) الحالي، بمشاركة ثمانية فنانين سوريين، وسبعة فنانين أجانب (إيطالي وفرنسي وألماني واسترالي وروسي وأكوادوري وأرميني) إلى جانب ورشة لتعليم الأطفال مبادئ فن النحت والرسم وتركيب الفسيفساء والتصوير الضوئي، فضلا عن معرض للكتاب، وحفلات فنية لفرق عربية وسورية. 

ويتيح الملتقى ممارسة العمل النحتي في الهواء الطلق وقريباً من حركة الناس، بهدف تحقيق تواصل بينهم وبين العمل الفني منذ بدء نحته، يتابعون مراحل تشكله على مدى شهر، مما يولد علاقة تفاعلية عفوية مع الفنان وبين المنحوتة والمتلقي، تكون النواة لحاضنة اجتماعية ومناخات ثقافية حية تعطي للسياحة بعدا أكثر عمقاً ورسوخا.

ريمون الحجة، أحد أصحاب المطاعم في المنطقة، ومن المشجعين للملتقى، قال: “إن السياحة ليست بتوفير مطاعم جيدة وبرامج فنية راقصة، بل في إبداع يعكس هوية أهل المنطقة، ويبقى لأبنائنا بعد رحلينا، وليس هناك أفضل من أعمال فنية تعبر عنا”.
 

النحات أكثم عبد الحميد، شارك العام الماضي وهذا العام يقول: “الجمال والثقافة والإبداع سمات موجودة في كل مواطن ينتمي لهذه الأرض الجميلة، فالفن هو عنوان ارتقاء الشعوب، وأهل مشتى الحلو اثبتوا امتلاكهم له من خلال ما لمسناه من حب وحفاوة واحتضان للملتقى”.


رغب ريمون من خلال سهرة عشاء في منزله أقامها على شرف المشاركين في الملتقى التعريف ببعض ملامح الثقافة الشعبية الموروثة، فأحيى السهرة شاعرا زجل شعبي في المنطقة تبارزا في «القول»، الأول يشجع النحاتين ويمدح جماليات أعمالهم التي تحاكي الطبيعة، والثاني يعتبر أن منحوتات الطبيعة وانعكاس ضوء الشمس على الجبال والبيوت هي الأجمل والأبقى. 

لم تخل المبارزة كما هو متعارف عليه من طرافة، حركت أجواء السهرة التي أسعدت النحاتين بسماع المديح لأعمالهم. وكان لافتاً تفاعل الفنانين الأجانب مع الزجل وطربهم لموسيقى الشعر رغم جهلهم باللغة.

الفنان الاسترالي فرانكو داغا، راح يعيد بعض المقاطع كالببغاء مترنماً بالقوافي. وعندما قال شاعر ما معناه، نحن لسنا بحاجة لأحجار من ايطاليا ولا أستراليا فبيوتنا في الجبال هي بحد ذاتها منحوتات فنية. صاح الفنان الاسترالي مشجعاً… إيطاليا… إيطاليا… استراليا… ما أضفى على معاني التحدي في الزجل مزيدا من الطرافة والتناقض. 

عدم فهم اللغة العربية والانجليزية لدى الغالبية، لم يمنع التواصل بين النحاتين الأجانب والسوريين، بل نشأت لغة خاصة، تتيح التفاهم لتسيير بعض الأمور الحياتية البسيطة. وظهرت تأثيرات التواصل في أعمال النحاتين، ومعه تأثيرات البيئة والمثيولوجيا السورية. 

وجاء عمل الإيطالي رينو جيانيني أقرب إلى التماثيل الآشورية. فقد نحت رجلا يجلس كالسبع وخلفه امرأة. يشرح جيانيني (68 عاماً) فكرة عمله بأن: «الرجل حين يحب يشعر بأنه ملك»، ويقول إن التعبير عن جمال الحب فكرة رائعة. وكنت بحاجة للتعرف، ولو سريعاً على المرأة السورية، لأستلهم في عملي المرأة في بيئة الملتقى، لا المرأة التي أعرفها في ثقافتي”.

أما الأرمني ساسون ينغيباريان، فقد بدأ عمله الذي يمثل امرأة مرفوعة الرأس، تحتضن شجرة رمان، أقرب إلى تمثال عشتار آلهة الخصب في الميثولوجيا السورية، فيما حاول الفنان الإكوادوري ماريو تابيا التعبير عن حبه للملتقى بمنحوتة تبرز شاعرية العناق في الطبيعة.

وقد لفت هذا الفنان الضئيل الجسم والرشيق الحركة، الأنظار بعشقه للحجر، حيث سبق ونحت عدة أعمال ضخمة كان آخرها تمثالا بارتفاع ستة أمتار اقتناه الفاتيكان بنصف مليون يورو؛ فالرخام القاسي يغدو كالعجينة بين يديه، ويتماوج بسلاسة معبراً عن الفكرة برقة وشفافية، لاتظهر على هذا النحو في أعمال بعض الفنانين السوريين. 

والسبب كما فسره لنا فارس الحلو المشرف على الملتقى، يعود أولا وأخيراً للتقنيات، فالفنان السوري لم يتعود على التعاطي مع هذا النوع من الرخام القاسي الذي يتفتت كالزجاج، عدا عن استعمالهم لأدوات في النحت غير تلك التي يستعملها زملاؤهم الأجانب، ففي حين يجد السوريون صعوبة بالغة في تجسيد الفكرة على الحجر من خلال الطرق بالأزميل، يتعامل النحات الإيطالي مع الرخام بخفة!! المشكلة ليست بالفكرة ولا بقدرات الفنان، وإنما بالأدوات والتقنيات المستخدمة.

سماح عدوان نحاتة شابة، كانت تعاني طيلة الوقت من تجريح أصابعها أثناء النحت، تقول: رغم صعوبة التعامل مع هذا النوع من الحجر، وبالأخص بالنسبة للمرأة، لكنها فرصة لاتتوفر عادة في الملتقيات، كما أن النتائج تأتي مذهلة. 

وقد اختارت سماح القطعة المناسبة لموضوعها حول لحظة محددة هي انتشاء امرأة بالهواء الطلق، فجرى تركيزها على تعابير الوجه لكي تصل إلى المتلقي بشكل سلس.

كما اشتكت كل من النحاتة سيلفيا ملكيان والنحات همام السيد من صعوبة التعامل مع الأخشاب المقتطعة من الطبيعة دون معالجة، إلا أنهما عبرا عن سعادتهما بالتفاعل مع المحيط الذي وفره لهما الملتقى، كما أنه هيأ أجواء نموذجية للفنان تجعله يعطي بكل طاقته. 

فالأدوات متنوعة بالإضافة لأجواء الحب والرعاية من قبل الناس. 

ولأن الخشب دخل هذا العام في الملتقى، كان وجود سيلفا وهمام في موقع آخر بعيدا عن موقع نحت الرخام، في ساحة البلدة قريباً من محل النجار سمير عوكي الذي وهبهما الكثير من المساعدة والاهتمام، فمارسا نشاطهما وسط البلدة، واستقبلا كل من جاء يستفسر عن عمليهما. فمن شجر الزيتون نحتت سيلفيا امرأة تستلقي على كرسي كبير وأمامها طاولة، بينما كان همام ينحت «رولييف» بارتفاع أربعة أمتار لامرأة مستخدما مجموعة كبيرة من أخشاب المنطقة كالزيتون والدلب والكستناء والتوت والليمون والجوز. 

أما مفاجأة الملتقى، فكانت مع الفنان محمد بعجانو وعمله الأضخم. منحوتة من الرخام للسيدة العذراء تحمل طفلها، أخذت فيها شكل أم ممتلئة بملامح شرقية على النقيض مما عرفت به تماثيل العذراء الغربية النحيلة القوام بملامحها الأوروبية. 

عمل لايحمل معاني دينية، وإنما ثقافية تعبر عن قيم الأمومة في المجتمعات الشرقية. وقد استوقف التمثال المارة، مثلما استوقفهم عمل الفنان أكثم عبد الحميد لامرأتين تميل إحداهما على الأخرى، وتحمل كل منهما طير حمام، في مقولة تركز على دور المرأة في صناعة السلام، بمواجهة الحروب التي يقودها عادة الرجال. 

إلا أن ألطف الأفكار برزت في عمل الفنانة الألمانية سوزانا باوكر وهي الحب الأعمى، المتمثل برأس ضخم معصوب العينيين، مع أن الحب الذي أحاط أجواء الملتقى، لم يكن أعمى، وإنما كان حباً واعياً لقيمة الثقافة والفن في التواصل بين البشر.

كما حضت الأجواء الثقافية الأهالي على إرسال أكثر من سبعين طفلا من أبنائهم تتراوح أعمارهم ما بين (5 ـ 11 سنة) إلى ورشة تعلم مبادئ الفنون التشكيلية.

معلمة الفنون في الورشة يسرى محمد، اعتبرت ان فكرة الورشة هي الأهم في الملتقى من حيث تعميم ثقافة الفن بين الأطفال، خاصة وأن مدارسنا تتعامل مع حصة الفنون على أنها حصة فراغ. وقد لاحظت أن الأطفال يعانون من كسل في الخيال، نتيجة لأسلوب التعليم في مدارسنا، المعتمدة على التلقين والحفظ عن ظهر قلب، وقد حاولت مع زميلاتها في الورشة تدريب الأطفال على تشغيل خيالهم والتعبير عنه بالصلصال أو بالرسم. 

وتضيف يسرى: أكثر ما أعجب الأطفال فكرة التعبير عن حقوقهم بالرسم، وقد لمسنا تفاعلا كبيراً من جانبهم مع ممثلي اليونيسيف الذين زاروا الورشة للاطلاع على أعمال الأطفال، وإعطائهم دروساً في حقوق الطفل، وكيف يمكن تجسيدها في الرسم والنحت. وقد اظهر الأطفال شغفاً في تحويل رسوم اليونيسيف إلى أعمال فنية من صنعهم.  

محمد داني، صاحب مؤسسة «داني» لتركيب الفسيفساء، ترك عمله وتفرغ خلال الملتقى لتدريب الأطفال على رصف الفسيفساء، ولولا شغفه بعمله لما تبرع بوقته لتعليم فن يحبه، ولاقى إقبالا كبيراً من الأطفال. ويقول إنهم أثبتوا مهارة خلال فترة وجيزة وبالأخص الفتيات. 

هذه النتائج أسس لها نجاح الملتقى الأول، كانت بفضل «تضافر جهود كثيرة لا تتوقف، مع قابلية للتطوير غير محدودة، حتى تصير مشتى الحلو البلدة الحلم وصورة مصغرة لوطن مشتهى ـ كما يقول فارس الحلو ـ صاحب فكرة الملتقى. 

فأهمية هذه التجربة لاتكمن فقط في تفاعل الناس مع مشروع ثقافي، وبالأخص الفن التشكيلي الذي لايدخل ضمن مكونات ثقافتنا الموروثة، بل من تكافل جهود عدة مؤسسات رسمية وخاصة وأهلية لتقديم الدعم، حيث كان هناك أثر إيجابي كبير لتعاون وزارتي الثقافة والسياحة في الرعاية، كذلك تشجيع القطاع الخاص على المشاركة أيضاً. 

وقد ضاعفت وزارة السياحة المخصصات المالية التي سبق ومنحتها للملتقى الأول العام الماضي، بعدما لمست نتائج ايجابية، وحذت حذوها شركة الطيران فقدمت تذاكر السفر للمشاركين الأجانب، كما منحت شركات الإعلان الطرقي إعلانات مجانية في شوارع دمشق وبعض المدن السورية، ووفر أحد فنادق البلدة مكان الإقامة مع وجبتي الإفطار والغداء يومياً للمشاركين والضيوف من الإعلاميين، وتكفل الأهالي بوجبة العشاء، حتى فرانكو براتيني صاحب مقالع مايكل أنجلو الشهيرة في مدينة كرارة الإيطالية تفاعل مع فكرة المشروع، واقتنع بجدواه الثقافية في المنطقة، خاصة وأن صاحب الفكرة هو فنان وممثل سوري معروف في بلده، فقدم أحجار الرخام الضخمة هدية، إيماناً منه بأن «المساهمة في دعم الثقافة تقلل الحروب.

إلا أن هذا التفاعل لم يخل من بعض المنغصات كالضرائب التي فرضتها وزارة المالية على الحجارة القادمة من ايطاليا، وانزعاج بعض أصحاب المطاعم والمتنزهات من الغبار الذي تثيره أعمال النحت وسط البلدة. وهو ما يخشى أن يتطور ليضاف إلى معوقات أخرى، جهد الجميع على تذليلها، كي يتحقق جزء مما خطط له المشروع. 

وقد كان التفكير متوجهاً نحو الحصول على عقار في الجبل يخصص لإنشاء حديقة بيئية تكون متحفاً يضم الأعمال التي ينتجها الملتقى كل عام، إلا أن صعوبات كثيرة حالت دون ذلك. 

وتوزعت أعمال الملتقى الماضي في ساحات وشوارع البلدة، نال بعضها موقعاً مميزاً وأخرى وضعت في أماكن غير لائقة، بل أن بلدية المنطقة لم تبد حرصاً على الشكل الممكن أن تظهر به هذه الأعمال؛ إذ وضع إلى جانب أحدها خزان للكهرباء، مما شوه الشارع والعمل الفني معاً.

ومع ذلك يستمر الملتقى للعام الثاني على أمل أن يحافظ على ذات الوتيرة بالتقدم، كما أمل الفنان محمد بعجانو «كي لا يتحول هذا الحدث الكبير إلى طفرة». ويصح هنا ما يقوله فارس الحلو السعيد بالنتائج:

«لا اعلم إن كانت الطبيعة تشعر بمتعة العطاء الذي تمنحه لنا، ولكني متأكد أني شعرت بها، وأنا انحت حجر بعض العقول القاسية، لأنبت منه الحب والجمال اللازمين للاحتفاء بعشقنا الكبير هذا..