إلى جوار التماثيل» و«المدافن» و«الجنائزيات» 
حوار القصيدة «اللوحة».. واللوحة «القصيدة» في المتحف الوطني بدمشق

 في حديقة المتحف الوطني بدمشق تنتصب تماثيل وكتل ومجسمات نحتية بازلتية بمختلف الأحجام والتكوينات يعود معظمها لعهود قديمة رومانية وبيزنطية وتدمرية وسورية يحرسها الإله «حدد» موزعة في أرجاء المكان.. وكل ما تفعله أنها مقيمة في المكان تتفرج على رواد المتحف والمارة بصمت بارد وحيادي خال من الانفعال وإن كانت تحتفظ بصورتها الكلية لحظة تجسيدها برؤى فنية دلالية وإبداعية، غاية في الإدهاش، فالشمس تضربها من هنا وهناك وتلفحها حرارتها أحياناً وتصفعها الريح أحياناً أخرى وهي وإن دغدغتها نسيمات عذبة فإنه لا يضيرها ما يحمّلها الهواء من غبار يتراكم بين «أصابع» هنا و«رقبة» هناك و…، فهي تدرك أنها تعيش مرحلة اللاعودة في تجسيد نهائي وإن كان لبعضها ذات مرحلة صولات وجولات وعز ومآثر وبطولات وملاحم ولبعضها الآخر عوالمها الأسطورية المفعمة بالقصص والحكايات التي تتألق فيها المخيلة الشفاهية والكتابية إلى أقصى درجاتها..

حوار ومعاشرة.. وندية

إلى جوار هذه التماثيل و«المدافن» و«الجنائزيات» افترش عدد من الفنانين التشكيليين المرج الأخضر وفي الهواء الطلق اتخذ كل منهم ركناً في الحديقة وراح بما يشبه الاحتفائية يلون المساحات البيضاء في استحضار مخيالي تارة وعياني واعٍ تارة أخرى لعوالم الشعر وموسيقاها المتلونة بوحاً وأنيناً وشكوى والمتشكلة حباً وجمالاً وصدى في عبارات ومقاطع وقصائد جادت بها قريحة شعراء كبار لهم حضورهم العالي ليبدأ حوار بين قصيدة منجزة ولوحة تأخذ للتو شكل ولادة.. لوحة بنت قصيدة وربما تتشكل توأماً لها هنا أو تتمرد عليها هناك أو تضل تحت عباءتها وربما تعاشرها عبر تداخل تضيع فيه عوالم هذه مع عوالم تلك وسرعان ما تنفصلان، كل منهما ندٌ للأخرى في حّيز مستقل ودائماً تبعاً لعين الفنان التي تقرأ وريشته التي تجسد ومخزونه الذي يتكئ ضمن رؤى ودلالات تتبع للقصيدة واللوحة.

«تشوّف».. واحتكاك

وإن كانت القصائد المختارة لشعراء كبار فإن الفنانين التشكيليين المشاركين في ملتقى الرسم الدولي الأول لهم أسماء كبيرة وحضورهم اللافت وإن بدرجات متفاوتة وخاصة أنهم في أغلبيتهم العظمى متحدرون من أكاديميات ومعاهد عالية للفنون التشكيلية في أروقة مختلفة وكلهم عاش في المغتربات ردحاً من الزمن وما يزال، عايشوا ثقافاتها ورؤاها لتتشكل لديهم أدوات إضافية برؤى أكثر عمقاً متولدة من «التشوّف» والاحتكاك والتطلع ليصبح كثيرهم أساتذة في الفن التشكيلي وقد جاؤوا دمشق بمبادرة من «ورشة البستان للثقافة والفنون» بإشراف الفنان السوري فارس الحلو صاحب فكرة الملتقى المؤسس، والعنوان العريض «قصائد الفن التشكيلي» والمغزى: اكتشاف حوارية القصيدة اللوحة واللوحة القصيدة، والهدف: «تأسيس نواة متحف قصائد الفن التشكيلي» عدا أفكار لها علاقة بالفن والشعر والمتعة واللقاء…

انكفاء… وكسر «الرهبة»

وحول فكرة الملتقى يقول الفنان فارس الحلو إنها جاءت عبر أحاديث يتم تداولها في الحوارات والنقاشات تندرج تحت «الاحتجاج والشكوى» في كثرة المشاريع المطروحة وقلة أو ندرة المبادرات وحتى مَنْ بادروا تعرضوا إلى خيبات أمل وأدت إلى الانكفاء ونشر ثقافة الإحباط واللاجدوى ما ترك لدى مَنْ يملكون مشاريع «رهبة» المبادرة وجاءت فكرة الملتقى لكسر هذه «الرهبة».

وعن اختيار الفنانين المشاركين يقول الحلو إنهم من فئة المغتربين السوريين، ممن حملوا ثقافاتهم المحلية واحتكوا بثقافات أخرى فتحرروا من مفاهيم وعادات متخلفة وانطلقوا.

انسحاب وخيبة.. وشكر

ورداً على سؤال عن مدى التناغم أو الفجوة بين ما كان في ذهنه كفكرة وبين ما رآه مجسداً على الأرض يقول الحلو: “أنا في صدد الاكتشاف مثلي مثل الآخرين لكني وجدت الأفكار متقاربة”.

ولا يخفي الحلو أنه ثمة مفاجآت جميلة حملها الملتقى عوضت عن بعض الخيبات ولعل فارس الحلو يقصد «بالخيبات» هنا مسألة التمويل، فعندما سألته عن مصادره «صفن» بعض الشيء ليقول: كل مشروع له مشكلات في التمويل وعن مشروعنا هذا فقد تكفلت إحدى الجهات الحكومية بتغطية أغلب التكاليف لكنها انسحبت قبل فترة قليلة من إقامة الملتقى دون مبررات مقنعة ما شكل أعباء إضافية عليَّ.

وعما إذا فكر الحلو بحلول بديلة للتخفيف من الأعباء يؤكد لـ«الوطن» أنه لا يفكر حالياً إلا بإقامة الملتقى واستمراره بروح عالية.