فنّانون في دمشق يتسقّطون أحوال الشعر والحريّة

فارس الحلو، الممثل السوري الذي انخرط في العمل الثقافي المستقلّ، جمع عدداً من الرسّامين بينهم يوسف عبدلكي وجبر علوان، عند الحدود الفاصلة بين عالمين: الكلمة واللون.

النتيجة معرض هو نواة متحف مخصص لـ«قصائد الفن التشكيلي.

كيف تتحوّل قصيدة ما إلى مشروع لوحة؟ وما هي المسافة الفاصلة بين الكلمة واللون؟ وهل يستطيع الرسام أن يترجم الكلمات إلى أشكالٍ وخطوط؟ وفي أي منعطف يفترق عن الشاعر؟
تلك هي فكرة «ملتقى الرسم الدولي الأول» التي اقترحتها «ورشة البستان للثقافة والفنون» في دمشق بعنوان «قصائد الفنّ التشكيلي».

الورشة المستقلة التي أسّسها الفنان فارس الحلو منذ سنتين، تسعى إلى تأصيل العمل الأهلي، بعيداً عن المؤسسات الرسمية وبجهود ذاتية. هكذا أطلقت الورشة أولاً «ملتقى النحت الأول 2006 وملتقى النحت العالمي 2007 في مشتى الحلو وسط سوريا، وها هي تخوض تجربة جديدة عبر هذا الملتقى.

في فضاء حديقة المتحف الوطني في دمشق، التقى تشكيليون سوريون وعرب مهاجرون، بفنانين من العالم، تجمعهم قصائد تعبّر عن خياراتهم في تأسيس نصٍّ تشكيلي موازٍ لقصائد نزار قباني، وأدونيس، وإبراهيم ناجي، وسعدي يوسف، والجواهري، ونزيه أبو عفش، وجلال الدين الرومي، وبابلو نيرودا.

ويشارك في المعرض فنانون سوريون مغتربون وفنانون من البلاد العربية والعالم وهم: فؤاد أبو سعدة: سورية- إسبانيا، جبر علوان: العراق- إيطاليا، كين جونسون: استراليا، يوسف عبدلكي: سورية- فرنسا، بهرام حاجو: سورية- ألمانيا، لينغ جونوو: الصين، جاكو حاج يوسف: سورية- السويد، عمر غالياني: إيطاليا، ماهر بارودي: سورية- فرنسا، فاروق قندقجي: سورية- السعودية، سيروان باران عارف: العراق، هيلدا حياري: الأردن، أسامة النصار: سورية- إيطاليا.

انطلاقاً من العاصمة السوريّة، جال الملتقى إلى بلدة مشتى الحلو، ليحط الرحال مجدداً في دمشق، بعدما أنجزت اللوحات. وقد افتُتح أول من أمس معرض جماعي (يستمر حتى 25 الشهر الحالي)، يضمّ إنتاجات هؤلاء الفنانين في حديقة المتحف الوطني… أما اللوحات التي جاءت بالأكريليك (120 * 90 سم) فستكون وفقاً لما يقوله المشرف على الملتقى، الفنان فارس الحلو، نواةً لمتحف قصائد الفن التشكيلي في دمشق. ويضيف الحلو: “ما تسعى إليه ورشة البستان للثقافة والفنون، هو دعم الحراك الثقافي الأهلي، وخلق ملتقيات للحوار الإبداعي والتقني بين مختلف المجتمعات الإنسانية، وذلك للإسهام في تعزيز الثقافة البصرية على مستوى واسع”.

بين تمثالين تدمريين مقطوعي الرأس، وقف يوسف عبدلكي يتأمل القماشة البيضاء في محاولة لتأسيس لوحة. هكذا مضى اليوم الأول من دون أن يضع خطاً واحداً. ترك قلم الفحم ومضى. وها هو يعود في اليوم التالي. يعيد قراءة قصيدة قديمة للشاعر نزيه أبو عفش بعنوان «كم من البلاد أيتها الحرية». هل سيرسم عبدلكي سمكة ميتة، أم حذاءً أم وردة ذابلة؟ يتساءل الصديق، وهو يقرأ مقطعاً من القصيدة المثبتة على حامل بجانب القماشة البيضاء، ويردد: «ضيّقة هذه الأرض يا سيدي… ضيّق في البلاد الندى والبكاء». هناك وقت إضافي لترميم البياض، يقول الصديق مبرراً، وربما أضاف لون الصحراء في تدمر التي سيزورها الفنانون مذاقاً آخر للوحة… ولعله يضيف طبقات لونية أخرى من الفحم الأسود. لكن عبدلكي فاجأ الجميع بعد أيام بمقترح مختلف: امرأة نائمة على أريكة، وآثار ثلاث طلقات في صدرها، على خلفية شمس سوداء!

على بعد خطوات، كان جبر علوان قد قطع شوطاً في تأسيس لوحته. لم يكن الأمر صعباً بالنسبة إليه. إذ سبق واشتغل على قصائد سعدي يوسف في تجربة مشتركة مع الشاعر في ديوان «إيروتيكا»… وها هو يختار قصيدة من الأجواء نفسها بعنوان «امرأة صامتة». تتكشّف الخطوط الأولى عن امرأة ممدّدة في سرير، وطيف رجل بلا ملامح بالقرب من جدار رمادي… سيتلاشى الرجل لاحقاً. اللون الأصفر يبزغ كالضوء من مسامات اللوحة، وإذا به يشتبك مع البنفسجي بشهوة عارمة، لطالما رافقت أعمال هذا الملوّن العراقي المفرد.

قصيدة نزار قباني «أول أنثى، أول رجل» التي اختارها بهرام حاجو، كانت بوصلة هذا التشكيلي السوري إلى منابع الخصوبة، وتفاحة الخطيئة، وجذوة العشق الأولى. أسس لوحته بلون التراب، في خلائط عجنها من حديقة المتحف، فإذا بها تتكشف عن وجوه متقابلة في حالات من القلق والانتظار والعزلة، واللهفة لعناق الآخر. يغامر حاجو بالأبيض في مساحات شاسعة من اللوحة، ليضيء أحوال الجسد من منظور فريد.

وفي ركن آخر من حديقة المتحف، كان ماهر البارودي منهمكاً في إنجاز لوحته الأولى. رؤوس خراف مقطوعة، تسيل منها الدماء. ولكن ما علاقة هذه الوجوه المفزوعة بمناخات قصيدة نزار قباني «لن أستأذن الوطن؟». لاإجابة حاسمة، فقد اعتاد هذا التشكيلي السوري المقيم في الجنوب الفرنسي استحضار الذبائح وإعادة رسمها، من طريق تشريح الوجوه الحيوانية وأنسنتها بتعبيرية صارمة. مايمنح لوحته قوّة على مستوى الخطوط والألوان.

هيلدا حياري من الأردن، تعمل في منطقة تشكيلية أخرى، تؤكد فيها مفردات بدائية… فتتشكل لوحتها من عناصر غامضة، تبطن أبعاداً روحية، وسوف تتوضح بؤرة اللوحة لديها قليلاً، حين تضيء القصيدة التي اختارتها، جانباً من هواجسها التشكيلية. فقد اختارت مقطعاً من قصيدة «أيقظتني الساحرة» للشاعر قاسم حداد. المناخات الصوفية العالية التي تعبر بالقصيدة إلى برزخ بعيد، تفسّر الدوائر المتلاطمة في ريشة هيلدا حياري، كأنما تحقق في اللون رقصة المولوية، بإيقاع دوراني يصبو إلى النشوة الكلية.

وتتقاطع أعمال الأوسترالي كين اندرسون مع الفضاءات الصوفية، باختياره جلال الدين الرومي، في تشظيات حسية، تصبو إلى مقاربة الجسد في مرآة أخرى، وفي خطوط بسيطة ومتقشفة، يغلب عليها الأحمر الشهواني… كما لو أنه يسعى إلى التقاط البعد الدنيوي في قصائد جلال الدين الرومي. وفيما يسحب فؤاد أبو سعدة مناخات أدونيس إلى الصخب اللوني والتعبيرية الحديثة، يعمل أسامة النصار الذي اختار مقارعة «أول الجسد آخر البحر» لأدونيس أيضاً، من موقع آخر ومختلف، لجهة البياض وصرامة الخطوط، واختزال الرؤيا.

رهان على العمل الأهلي

حين أطلق فارس الحلو قبل سنتين «ورشة البستان للثقافة والفنون»، رأى بعضهم أن تلك المبادرة الشخصية هي إحدى تهويمات فنّان ظل حائراً بين مهنة التمثيل، وتحقيق ذاته عبر مشاريع ثقافية مستقلة.
راهن الممثل السوري على مبادرات مشغولة بالهمّ الحضاري، فتوجّه إلى بلدته السياحية الصغيرة مشتى الحلو، وأطلق مشروع «ملتقى النحت الدولي». وإذا بالبلدة تضج بالحركة والحيوية: عشرات النحّاتين من مختلف بقاع العالم انكبّوا على الحجارة لصوغ تماثيل مصنوعة من الحجارة نفسها التي استعملها مايكل أنجلو في صنع منحوتاته.

في نهاية الملتقى نُقلت المنحوتات إلى ساحات البلدة وشوارعها، لتتحوّل متحفاً في الهواء الطلق. الملتقى الثاني لقي اهتماماً أكبر من السكان، ومن المسؤولين المحليين في البلدة.
الآن فارس الحلو في ورطة مالية، بعد انسحاب الراعي الرئيسي فجأةً، ومن دون أسباب واضحة.

لكن «ملتقى الرسم الدولي الأول»، لم يتوقف كما راهن بعضهم، بل على العكس تماماً. انضم تشكيليون آخرون إلى الورشة، ومثّل المعرض حدثاً استثنائياً في دمشق، وخصوصاً بوجود قامات تشكيلية مهمة، بعيداً عن ضغوط أصحاب الصالات التشكيلية الشهيرة التي تسعى إلى احتكار الفن السوري، وترنو إلى المزادات العالمية أكثر من السوق المحلي.

إذا سألت عن موقع «ورشة البستان» فلن تجده بسهولة. إنّه عبارة عن غرفة مستأجرة كانت زريبة للأبقار، وسط بساتين الفلاحين، على تخوم دمشق الشرقية. اليوم، يحلم فارس الحلو بأن تتحوّل تلك الغرفة المعزولة إلى ورشة حقيقية بمساندة الأصدقاء… فالعمل الأهلي، كما يبدو، لا تصنعه النيّات الطيبة وحدها! بل يحتاج إلى دعم مادي ومعنوي كبيرين، ليس بمقدور فنان وحيد مهما كان مصمّماً ومشاكساً، أن يؤمّن له الاستمراريّة والنموّ والانتشار.