فوضى المنحوتات تستفز مشاعر المارة في سورية
تزيين المرافق العامة بالمنحوتات بات أمراً شائعاً في سورية، ربما بسبب تزايد ملتقيات النحت التي تضخ نتاجاتها بالعشرات، ثم توزع كيفما اتفق. وهو ما يمكن أن يسمى فوضى المنحوتات الذي يخلق شيئا من الاستفزازية عند المواطنين، حين لا يفهمون معنى الأعمال احياناً وينتقمون منها، أو انهم لا يدركون معنى أن يزين مكان عام بعمل فني في ما هو يفتقر للحاجات المعيشية الأولية.
أسئلة كثيرة تراود المارة في الشوارع، وأسئلة أكبر يطرحها الفنانون على أنفسهم، ليدركوا أي طريق عليهم أن يسلكوا ليصلوا على قلوب الناس وأحاسيسهم.
أثارت الأعمال النحتية التي أنجزها ملتقى النحت الصيف الماضي، في مدينة حمص، وجهات نظر متضاربة حول الوظيفة الجمالية لأعمال تتراوح بين العادي والجيد، في تزيين الشوارع والساحات، خاصة أن احد هذه الأعمال أثار استياء العامة وقلقها، لتشابه شكله الفني مع رمز ارتبط بجماعات إلحادية. وفور تنبه الجهات المعنية في المدينة الى ذلك التشابه المستفز تمت إزالة المنحوتة. لكن الجدل لم يهدأ في المدينة حول الحاجة للأعمال الفنية في أحياء تفتقر للخدمات الأساسية كتبليط الشارع أو تنظيفه.
من هذه الوجهة، تساءل كثيرون، ومنهم الطالب الجامعي علاء قائلاً: «ما حاجة حارتنا الفقيرة الغارقة بالطين للتجميل بتمثال من حجر؟». سؤال مشروع يفتح النقاش على موضوع العلاقة بين فن النحت والمجتمع، في وقت يعمل النحاتون السوريون ما بوسعهم لتطبيع الناس على تقبل الجماليات الحديثة. لكن ثمة مشكلة رئيسة يسميها النحات أكثم عبد الحميد بـ«عقدة النحت». ولحلحلة هذه العقدة جاءت فكرة الملتقيات، وسعى إلى تنفيذها بداية الفنان التشكيلي أيمن الدقر، مستفيداً من موقعه كرئيس لفرع دمشق لنقابة الفنون الجميلة، وعضو في مجلس المحافظة عام 1996. وكانت الفكرة إقامة ملتقى للنحت بمشاركة عدد من النحاتين بعد تقديم مجسمات صغيرة لأعمالهم يتم اختيار ما يمكن تنفيذه، على أن يتوفر التمويل والمواد الأولية والأدوات ومصاريف الإقامة ومكافآت للفنانين، تتكفل بها جهة رسمية أو أهلية، وبالمقابل تصبح المنحوتات المنجزة ملكاً عاماً، توضع في الأماكن المناسبة.
يقول أيمن الدقر، إن سفره عام 1996 حال دون متابعته للملتقيات الأولى، وعندما عاد عام 2001 وتسلم موقع نقيب الفنانين، وجد أن فكرة الملتقيات شاعت ولاقت قبولاً حسناً وانتشرت في عدة محافظات: دمشق، حلب، اللاذقية، طرطوس وحمص …إلخ. ويؤكد الدقر أن التجربة كانت جيدة، والهدف منها تعميم ثقافة النحت، والتأكيد على أنه لا تجوز محاربة المنحوتات ورفض وجودها في الأماكن العامة، لأنها تجسيد لقيمة جمالية.
رغم صحة ما يقوله الفنانون حول أهمية نشر الثقافة الجمالية إلا أن المشكلة لا تتعلق فقط بالعقائد الموروثة، وإنما بالظروف الموضوعية الواجب توافرها كي تؤتي تلك الأفكار ثمارها. فثمة مشكلات لها علاقة بالبيئة الاجتماعية الرافضة للتشخيص، وأخرى لها علاقة بالواقع الخدمي السيئ الذي يجعل التفكير بالجمال محض ترف سقيم لا يطيقه شظف البؤس اليومي، وثالثة على تماس مع السياسة، ورابعة سببها مدارس تجعل من حصة التربية الفنية وقتاً مهدوراً، وخامسة تتصل بغياب الفنانين عن مكاتب البلديات المعنية بتنظيم الشوارع والساحات والتي يجب أن تتولى عملية رسم الرؤية الجمالية للمرافق العامة، وما تحتاجه من أعمال فنية، ومشاكل تتصل بالمحسوبيات وقنواتها السرية التي تحول أفضل المبادرات إلى فرص للارتزاق لا تنتج إلا النوافل. هذا ناهيك من التنوع الشديد في المجتمع الذي له الدور الأكبر في نجاح مشروع ما أو العكس، فما يلاقي ترحيباً واحتضاناً في قرية قد يخفق في أخرى من البلد ذاته، وغيرها من مشكلات لا تنفي عن ملتقيات النحت أهميتها في خلق حالة حوارية حضارية متقدمة، لكن دونها عقبات تحتاج إلى تذليل.
ولعل تجربة ملتقى «مشتى الحلو» الذي أقيم الصيف الماضي في أجمل البقاع السورية، يؤكد ليس أهمية المبادرات الثقافية الأهلية فقط، بل ضرورة دراستها ضمن رؤية متكاملة ومتابعة تنفيذها حتى النهاية. فقد كان لاختيار زمان الملتقى ومكانه دور كبير في نجاحه، من ناحية ما حظي به من طبيعة خلابة، بالإضافة إلى أن المنطقة يؤمها السياح من شتى أنحاء العالم، والمصطافون من الداخل السوري، ويتردد عليها صيفاً المغتربون من أبناء البلدة. وقد شكل وجود عشرة نحاتين بالإضافة الى ورشة لتعليم الأطفال عند مدخل بلدة «مشتى الحلو» الجبلية، ظاهرة استرعت انتباه الأهالي وعنايتهم، وخلقت حالة اجتماعية تواصلية مع النحاتين، فتابعوهم وانتظروا نتيجة عملهم الشاق تحت شمس تموز الحارقة، وتناقشوا معهم ودعوهم إلى منازلهم أو جاؤوا إليهم بالطعام.
الفنان الممثل فارس الحلو الذي أسس الملتقى، متكبداً جهد مؤسسة كاملة يقول: «عندما قمت ببناء دراسة تفصيلية للمشروع بما يحويه من أفكار وأهداف ومستلزمات، انتابني قلق غامض بخسران بعضها بسبب التكاليف العالية للمشروع». ويتابع الحلو: «لم تصبني الدهشة في حياتي كما أصابتني طيلة أيام الملتقى. فقد كانت الخطوات تتحقق تباعاً كما خططت لها، وكأني بعنوان الملتقى (جمال الحب) كإطار عمل، وهدف يسير عليه الفنانون، قد أشع وشمل بريقه الناس كل الناس». ساهمت هذه المناخات في تمكين الملتقى من تسجيل خطوة جريئة إلى الأمام على مسيرة ملتقيات النحت التي كانت تتوخى تجنب التشخيص المباشر، لاجئة لأشكال التعبير التجريدية، وهو ما أشار إليه فارس الحلو بالقول: «إنه أول ملتقى يعنى عناية كاملة بالتشخيص في النحت، وكان جريئاً بما فيه الكفاية كتجربة أولى».
مما لا شك فيه أن المناخ الثقافي والاجتماعي الذي تتمتع به هذه المنطقة من سورية، ساهم بنجاح الملتقى. فكما هو معروف، امتلكت منطقة الوادي حيث تقع بلدة «مشتى الحلو»، أعلى نسبة تعليم، وتكاد تنعدم فيها الأمية تماماً، بالإضافة الى وجود عدد كبير من أبنائها من المغتربين المقتدرين الباحثين عن فرص طيبة لخدمة بلدهم، بحسب تعبير فارس الحلو. كما ساهم في نجاح الملتقى اختيار فنانين موهوبين شاركوا على الأقل في أكثر من خمسة ملتقيات، بينهم أساتذة نحت مثل أكثم عبد الحميد، مدير معهد الفنون التطبيقية، وآخرين أثبتوا حضورهم محلياً وعربياً مثل محمد بعجانو ونزار بلال، وبينهم شباب متميزون مثل علاء محمد وهمام السيد ونور الزيلع وهادي عبيد وكنانة الكود. يضاف إلى تلك العوامل، دعم مالي قدمته عدة جهات رسمية وأهلية، فتم توفير حجر كرارا، وهو من أغلى أنواع الرخام الايطالي مع كافة المستلزمات الأخرى، إلى جانب حفاوة الإعلام الذي كتب عنه كأنه أول ملتقى في سورية، علماً بأن تجارب أخرى ناجحة سبقته، أهمها الملتقى الدولي للنحت (سمبوزيوم) في جبال اللاذقية عام 2003 الذي أشرف عليه النحات مصطفى علي، وضم 17 نحاتاً محترفاً من سورية، ونحاتين من 14 دولة أجنبية وعربية، وبلغت تكاليفه ما يقارب 280 الف دولار ، قامت بتغطيتها عدة فعاليات اقتصادية.
ويعتبر الفنان مصطفى علي أن تجربته نجحت في خلق حوار بين الفن والطبيعة وبين الفن والمجتمع. وما تزال تلك المنحوتات موجودة في جبال اللاذقية، يزورها أهالي المنطقة والسياح. لذا فهو يرى أن ظاهرة ملتقيات النحت صحية 100% وضرورية لترسيخ حوار يوسع الآفاق الثقافية.
لكن للشارع كلاماً آخر يأتي بعكس أحلام الفنانين، فالأعمال التي أنتجها ملتقى النحت الأول في ريف دمشق ورعته الحكومة، وتوزعت أعماله على الرصيف المحاذي لنهر بردى أمام مدينة معرض دمشق الدولي القديمة أواخر التسعينيات، لم تلق القبول. وكثيراً ما استوقفت المنحوتات المارة وأثارت استنكارهم، عندما حاولوا تفسير معنى تلك الكتل ذات الخطوط التجريدية، ولم يوفرها المراهقون والعشاق من كتابات عابثة وعملوا على تشويهها، بدافع الانتقام من حجارة صماء مبهمة. بينما كان مصير الأعمال التي زينت حديقة تشرين في دمشق أحسن حالاً، ربما لأنها حظيت بحراسة أفضل، أو أن وجودها في حديقة وسط الأشجار، زاد من جمال المكان ووفر لها الحماية اللازمة. أي أن اختيار المكان الملائم، بما لا يشكل نفوراً للعين أو استفزازا لشعور المارة، لا بد أن يحول دون اتخاذ الناس موقفاً عدائياً من المنحوتة. عدا عن أن التأكيد على السوية الفنية شرط أساسي لقبول العمل الفني واكتشاف جماليته.
أسامة عيد، مهندس مدني، تعجبه فكرة وضع المنحوتات في الأماكن العامة، كما تعجبه فكرة إقامة حوار بينها وبين الناس، لكنه يتساءل: «كيف نقيم حواراً مع كتل حجرية لا تحمل معاني مفهومة؟ كثير من الأعمال كانت عبارة عن طلاسم، إن قلت إني لا أفهمها أخشى من اتهامي بالجهل، وإذا قلت إني افهمها سأتعب في إيجاد تفسير لها، وفي النهاية اضطر لتجاهل وجودها إلا أنها لا تتجاهل وجودي، فهي تعترض طريقي كشيء نافر ومنفر». ويرى أسامة أن هذا هو سبب العدائية لبعض الأعمال، ويشير إلى منحوتة لطفلة في حديقة تشرين بسيطة جداً إلا أنه يستمتع بالنظر إليها وتأملها لأن شيئاً ما فيها يشبه طفلته، كما أن مكانها بين الزهور يجعله يرتاح إلى الجلوس بجانبها.
اختيار المكان ليس مسؤولية الفنان، كما يقول مصطفى علي، وإنما مسؤولية الجهات المعنية.
ويلفت النظر الى أنه لا يتم استمزاج رأي الفنانين بتوزيعها على الأماكن العامة، فنراهم يصممون الساحات والشوارع من وجهة نظر المهندس المعماري بدون استشارة الفنانين. كما يتم وضع المنحوتات والنصب التذكارية وفق أهواء الموظفين، ولهذا نرى الساحات تفتقر للذوق الرفيع، بل وأقرب إلى الفوضى، ويضرب مثالاً ساحة الأمويين التي جاء تصميمها منفراً. وحتى لو أبدى الفنانون اعتراضهم، فإن أحداً لن يستمع لرأيهم، لأنهم (الموظفين) مقتنعون بأن ما يقومون به هو الصحيح، حتى لو عبر أغلب الناس عن إحساسهم ببشاعته. ويرد علي ذلك الى الجهل، فالحس الجمالي مرتبط بالتربية الفنية والتي لا تعني اكتشاف الموهوبين بقدر ما تعني تربية الحس الفني. «وللأسف مادة التربية الفنية محتقرة في مدارسنا، فنحصد نتائج إهمالنا لها، بشاعة تطالعنا في فوضى هندسة الأبنية والحدائق والساحات والشوارع. ولا يمكن استدراك أخطائنا إلا بحصيلة عمل مؤسسات لا أفراد». ومع ذلك يعول مصطفى علي على أهمية تأثير الفرد في إحداث التغيير من خلال الإصرار على ترسيخ الثقافة الجمالية.
أما عن السوية الجمالية، المفترض مراعاتها في الأعمال التي تجد طريقها إلى الأماكن العامة، فيقول أيمن الدقر «ان ذلك يتعلق بالقائمين على الملتقى، والذين يختارون الاعمال الملائمة للتنفيذ، لكن حين يدخل عامل الصداقة والوساطات وتنفيع فلان من الفنانين، فالنتيجة حتماً لن تكون مرضية، بل ستكون مؤذية للفن والفنان».
النيات الطيبة وحدها لا تكفي، لا بد من الإخلاص عند التنفيذ لتأتي الحصيلة وفق ما تشتهي التمنيات، وتجربة ملتقى «مشتى الحلو» الذي أسهم بأعماله أهالي البلدة، وحرصوا على نجاح الفكرة كما يحرصون على ممتلكاتهم، تجربة تؤكد أن الأهم من نحت الحجر هو إطلاق الحريات للعمل الأهلي ليمارس دوره الحقيقي في بناء الثقافة والدفاع عن الفن.

