في جمال الحب أطفال سوريون يرسمون ويحلمون بنحت رخام مايكل أنجلو

عاد أطفال مشتى الحلو الى مشغلهم الفني مع انطلاق ملتقى النحت العالمي جمال الحب2 الملتقى وضع فكرته ودراسته وأشرف على التحضير له وإقامته الممثل فارس الحلو، هذا المشغل واكب أعمال ملتقى النحت الاول في العام الماضي، ويعلق عليه منظمه الفنان الحلو أملاً كبيراً في خلق جيل من الفنانين في المنطقة.. 

وفي خيمة منصوبة في الشارع الرئيس في البلدة يعمل أكثر من ستين طفلاً وطفلة، في ثلاث ورش فنية مختلفة، لتعلم مبادئ فنون الرسم والنحت وتركيب الفسيفساء بإشراف عدد من المدرسات والمدرسين المتطوعين قدموا من عدة مناطق في سورية، وتقوم حافلة خاصة بنقل الاطفال من البيوت الى المشغل الفني وبالعكس، لكن الكثير من الاهالي فضلوا مرافقة اطفالهم في الذهاب والإياب ومتابعة أعمال الورشة كما فعلت« هناء متري» أكثر من مرة، وهي مدرسة لغة فرنسية، وأم لثلاثة أطفال يشاركون في المشغل الفني للعام الثاني. 

عبير وردة.. مدرسة الرسم قالت: “كان العدد المقرر للاطفال هو خمسون طفلاً وطفلة، وهذا ماتحقق منذ اليوم الاول، ولكن العدد في تصاعد يومياً، فهنالك الكثير من الزوار، والسياح يتوقفون لمشاهدة عمل الاطفال في المشغل فتستهويهم الفكرة، ويطلبون مشاركة أطفالهم مع الأطفال الآخرين، وبعض هؤلاء اقامتهم قصيرة، وشاركوا عدة أيام فقط . 

 وتضيف« وردة»: “الاطفال يشاركون بسعادة، ويتركون بعد مغادرتهم بصمتهم الخاصة التي تختلف بين طفل وآخر حيث إن هنالك تنوعاً في الشرائح العمرية المشاركة، فالورشة تستقبل الاطفال بين سني 4 أعوام و13 عاماً، لكن المفاجأة لنا هي وجود عدد كبير من الاطفال المميزين والموهوبين.. 

وسيختار المدرسون في نهاية الملتقى أفضل الاعمال التي ينجزها الاطفال، وستقدم جوائز لهم، وسيقام معرض لأفضل الاعمال، وهذا مالم يجر في العام الفائت.

في العام الماضي اقتصر التعلم على فن النحت، لكن هذه السنة تمت إضافة فن الرسم والتصوير الضوئي وتركيب الفسيفساء، الامر الذي لاقى قبولاً من اطفال تفاعلوا مع هذا النوع من الفنون بسرعة كبيرة وأنجزوا لوحات أدهشت مدرسيهم. 

يقول« محمد داني»: “عندما عرض علي الفنان فارس الحلو فكرة المشاركة لم أتردد في ترك أعمالي والحضور، ومما زاد من سعادتي هو وجود أطفال مميزين جداً التقطوا المبادئ الرئيسة للعمل، وسرعان ما قدموا أفكاراً جميلة ونفذوها بشكل جميل”.
وتنتقل السيدة متري بين الورش لمتابعة ما يقوم به أطفالها الثلاثة.. فـ جوني وهو تلميذ في الصف الخامس اختار النحت، وهو ينفذ أشكالاً متعددة بشكل يومي، قال: “هذه هي السنة الثانية لي وأنا سعيد جداً آتي كل يوم وأصنع أشكالاً عديدة أحاول أن أقلد فيها تماثيل رأيتها، او أشكالاً احبها، أو التي تطلبها المدرسة مني، أتمنى أن أصبح فناناً، وأشارك في الملتقيات”. ‏ 

وقالت والدة جوني: “كانت مفاجأتي به كبيرة عندما بدأ العمل بالطين فقد تغير سلوكه وبات أهدأ، اكتشفت فيه اندفاعاً شديداً لهذا الفن، تاركاً كل الاشياء التي يحبها ويمارسها باستمرار، فهو مغرم بالحاسوب والألعاب ولاسيما مع انتهاء العام الدراسي، ولكن الأمر اختلف الان، فـ جوني يحضّر نفسه كل يوم بحماس للحضور، رغم الحر، وصنع أشكال جديدة من الطين.

أعمال بعض الأطفال كانت مدهشة بأفكارها.. « جاك» ويبلغ من العمر خمس سنوات، صنع عدداً من الأشكال الحيوانية، بشكل مقبول لكن المدهش فيما صنعه هو سلحفاة حاول فيها ان يعطي انطباعاً بأنها ميتة ويجيب على سؤال سبب جعله رأس السلحفاة مائلاً لقد لسعتها الافعى التي خرجت من بين الاهرامات التي صنعتها انا فماتت وأرخت يديها ورجليها ومال رأسها «وأضاف» اولادها الصغار سيموتون ايضاً.. ‏ 

تقول« رهف خوري» المشرفة على عمل الاطفال: “في السنة الماضية حيث كانت التجربة الاولى، الاقبال الذي حصل آنذاك بكل معانيه الجميلة جعل التنظيم هذه السنة أفضل، ولانخشى تضاعف عدد الاطفال”. ‏ 

ويعاني المدرسون والمدرسات من بعض الصعوبات في التعامل مع الاطفال الاصغر سناً، فبالرغم من مظاهر السعادة الغامرة عليهم، فإن بعضهم يختلفون مع زملاء لهم وتظهر الحساسيات بينهم، لكن ذلك لايؤثر كثيراً على سير العمل، وتتحول الحساسيات الى منافسة فيما بينهم، فباتوا ينتقدون اعمال بعضهم ويقترحون اضافات وتعديلات على أعمال زملائهم. ‏ 

في ورشة الرسم تنتقل« يسرى محمد» وهي مدرسة رسم وخريجة معهد، وأم لأربعة أطفال بين مجموعتها مبدية بعض الملاحظات التصويبية لعمل الاطفال:

هذه مشاركتي في الملتقى تطوعية وأساسها حبي لعملي… لدينا منهاج خاص نسير عليه في التعامل مع الاطفال من حيث المواضيع والتقنيات، نحاول أن نعطيهم مبادئ أولية ‏وجسدت بعض الموضوعات التي كلف بها الاطفال حول حقوق الطفل، وهي ـ حق الرعاية الصحية ـ الحق في غذاء متوازن وكاف، ـ الحق في ارتياد المكتبات العامة، ـ حق انتقاء الثياب، ـ حق ارتياد المنتزهات والملاعب ـ الحق في التعليم.

في الجهة الاخرى من الخيمة، يتوزع ما يزيد عن 30 طفلاً وطفلة، على عدد من الطاولات ويشكلون الطين بأصابعهم الغضة محاولين صناعة بورتريهات بسيطة، يتحلق بعضهم حول المدرسة« عبير وردة» يتكلمون في الوقت نفسه متقربين منها طالبين ابداء الرأي بما يفعلونه، تقول« وردة» أنا لا أتدخل في عملهم بل أطرح الموضوع عليهم وأحرض ذاكرتهم وخيالهم فقط.

الطريف في الامر هو تشكيل بورتريهات لاتخلو من حس كاريكاتيري، النحت لاقى إقبالاً اكبر من قبل الاطفال الذين كانت عيونهم شاخصة باتجاه موقع الملتقى، حيث يعتقد بعض الاطفال انه بعد فترة قصيرة سيتم نقلهم اليه للعمل مع النحاتين في نحت الرخام الذي أحضر من مقلع مايكل أنجلو الافضل في العالم.

الاهالي ممتنون لـ« فارس» الذي نجح في زرع بذرة فن أصيل في سورية مرة أخرى في مشتى الحلو وفي قلوب الاطفال تحديداً، ذلك المصيف الجميل الذي تحيط به المواقع الاثرية التي تحفل بمنحوتات أنجزها أجدادهم.