تصلها وأنت مرهق من عناء السفر ووعورة الطريق وعذاب الانحناءات والمطبات التي لا توحي بأنك في حضرة منطقة أبدع الله خلقها وزينها بكل ما هو جميل في الحياة، وبلغة الدولة رسميا يجب ان يقال عنها منطقة سياحية..تتساءل لماذا لا يعتنون بهذه المنطقة الهامة المكللة بخضرة نقية وهواء منعش وقلوب طيبة ، فلا تتلقى إجابة فتنسى الأمر بعد فترة قصيرة وأنت تشاهد تلك المنطقة الكبيرة مشتى الحلو التي أراد لها ابنها فارس الحلو ان تكون واحدة من أجمل بقاع الأرض وأغناها ثقافة ومعرفة، ومن حق القارئ ان يدهش من كون تبعية فارس الحلو الممثل والفنان الكبير لمشتى الحلو بالاسم حتى ..! ربما هي من باب المصادفات ولكنها المصادفات التي قد لا تتكرر كتلك التي تنقل ممثلا الى عالم النحت والحب والجمال.
لم يتوان فارس الحلو في الموسم الثاني لهذا الملتقى من ان يقول عنه ملتقى الحب والجمال ولأجل هذا سافر الى ايطاليا وجلب من هناك أجمل رخام في الكون كي ينحته خيال أهم نحاتين في العالم، والطريف هنا ان ايطاليا قدمت الحجارة هدية له ولسوريا لأن الملتقى كبقية ملتقيات النحت طوعي ودون مردود يذكر ، إلا ان الحجارة عندما دخلت سوريا اضطر لأن يدفع عليها جمارك ما يعادل أربعة آلاف دولار أميركي …!! الجدير ذكره في هذا السياق أن الحجارة جيء بها من أهم مقالع الرخام في العالم (كرارا) نحت من حجارتها النحات العالمي مايكل أنجلو وصل النحاتون الى سوريا من مختلف انحاء العالم نسوا لغاتهم الانجليزية واللاتينية والفرنسية وحملوا معهم خيالهم إلى هذه المنطقة الجميلة مشتى الحلو كي يقدموا هدية منهم إلى سوريا ، ومن عادة فارس أن يقوم بتوزيع المنحوتات ضمن الساحات الرئيسية في المشتى وهذا العام أقامت ورشة البستان للثقافة والفنون التي يشرف عليها هو هذا الملتقى ، وكان ملتقى العام الماضي قد اقتصراً على نحاتين سوريين.
إلا أن ملتقى هذا العام الذي أقيم بمشاركة فنانين عالميين من سبع دول أعطى دفعا قويا للفكرة الطموحة التي يهجس بها (فارس الحلو) وهي أن يتكرس هذا الملتقى النحتي كأهم ملتقى نحتي في سوريا وفي المنطقة ويصبح النشاط المرافق له أحد النشاطات الثقافية الموسمية. وقد نتج عن هذا الملتقى 14 منحوتة وزعت على شوارع وساحات بلدة مشتى الحلو إضافة لبعض (المنحوتات) الخشبية.
ولأن الهدف هو إقامة علاقة تفاعلية بين الناس وهذا الفن، كان النحاتون يقومون بعملهم على مرأى من الناس كي يخلق شكلاً من التواصل ويعيد ترتيب العلاقة بين المتلقي والفنان من خلال إنجاز الأعمال النحتية في الهواء الطلق كأسلوب في مخاطبة الذوق العام والارتقاء به وبما يشكل حافزاً لاستنهاض الإبداع لدى فئة من الشباب.
وعلى مدار شهر أنجز النحاتون عبر شراكة سورية أجنبية منحوتات مذهلة قدمت تحت رعاية وزارتين كبيرتين هما وزارة السياحة والثقافة إلا ان الأخيرة قدمت دعما ماديا للملتقى وحضر وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا حفل الختام موزعا الجوائز وداعما رئيسيا للملتقى في دورته المقبلة ، في حين اكتفت وزارة السياحة بتقديم جولات سياحية للفنانين …!!! ولدى تواجدي في تلك المنطقة أدركت ان حب الأهالي وتقديمهم الدعم الكامل للملتقى كان أكبر المساهمين في إنجاحه وعلى سبيل المثال فقط الفندق الأكبر بالبلدة تبرع بإقامة الجميع وإطعامهم على مدار شهر في موسم السياحة .
وفي نشاطات متصلة كان هناك ورشات مفتوحة للأطفال لتعليمهم مبادئ فن النحت، وكذلك تركيب الفسيفساء، مما خلق تواصلاً مع أطفال ربما لأول مرة يمسكون بالطين ويصنعون منه أشكالاً فنية وتجسيدات تقترب من هوايتهم في اللعب لكنها هذه المرة باشراف مختصين.
وكذلك كان بجانب الملتقى ورشة للنحت عبر الخشب بما يشكل افتراقاً عن الشائع في التعامل مع الخشب والذي يطلق عليه عادة الحفر على الخشب. وفي كلمته التي وجهها قال فارس الحلو: “أهدي هذا الملتقى لكل المكتئبين والمحبطين واليائسين من أي حراك اجتماعي ينتج جمالاً وثقافة وراحة بال وسعادة لا توصف، هنا تجدون أسماء لأناس قدموا وأعطوا، كرماء بلا حدود، ساهموا بالكلمة الطيبة والفكرة الخلاقة والجهد الاستثنائي وبمالهم الخاص، فأرادوا مجتمعين تحقيق حدث فني ثقافي سياحي مميز يفخر به كل السوريين ويرسخ الأمل بالنهوض والحراك والتفاعل من جديد. أشكر كل الموظفين الحكوميين الذين ساعدوا، هؤلاء الذين حدت القوانين من قدرتهم على المساهمة والعطاء وفيها ما هو قادر على ان يصل الى الاذان والقلوب بسرعة ويسر وفيها ايضا ما غفا بين السطور منتظرا الموسم المقبل والملتقى المقبل الذي سيكشف فيه الحلو على احلى ما لديه في «مشتى الحلو» …وللمنحوتات التي ابدعها خيال النحات وقفة مطولة في عدد مقبل”.

