نظمه ممثل سوري بمبادرة فردية، وحلق به خارج سرب المؤسسات
تحولت حديقة المتحف الوطني بدمشق، إلى مرسم تشكيلي مفتوح على الهواء الطلق، في تظاهرة ثقافية حارة، وغريبة عن الوسط الثقافي السوري المتثائب، حين نظمت ورشة البستان بمبادرة من الممثل والنجم السوري فارس الحلو، الملتقى الأول للرسم الدولي في سوريا، الذي حمل عنواناً آخر هو (قصائد الفن التشكيلي) للدلالة على تمازج الفنون الذي حفل به هذا الملتقى، حين عمد كل فنان تشكيلي من المشاركين، إلى اختيار قصيدة يستوحي منها لوحته التي يرسمها على مرأى من جمهور الزوار.
نشاط أهلي في مواجهة ثقافة رسمية!
يأتي هذا الملتقى الدولي الأول للرسم، ما بين 5ـ17 أيار مايو الجاري… بعد ملتقيين سابقين نظمهما الفنان فارس الحلو، أحد أبرز الوجوه التمثيلية الشابة في الدراما السورية في السنوات الأخيرة… الأول كان ملتقى النحت الأول في بلدته مشتي الحلو عام 2006، والثاني ملتقى النحت العالمي عام 2007 والذي رافقته أنشطة ثقافية وفنية متنوعة.
حين قصد فارس الحلو في تجربته الأولى المؤسسات الثقافية الرسمية طالباً منها الدعم المادي والرعاية، واجه علناً محاولة تلك الجهات والمؤسسات، تأميم مبادرته الفردية، وإعادتها إلى حظيرة المؤسسة الرسمية… ففي سورية مازالت المبادرات الخاصة من هذا النوع مرفوضة قانونياً ومشكوك بها أمنياً… ومنهج الدولة الشمولية التي أممت الثقافة والفن وعهدتهما للأجهزة الحكومية أو للمنظمات الشعبية التابعة لها… يجعل أي مبادرة بحاجة إلى جهة رسمية تتبناها أو تتسلط عليها… وقد وجد فارس الحلو الحل لهذا الأمر، حين لجأ إلي النظام الداخلي لنقابة الفنانين التي ينتمي إليها كممثل، والذي يسمح لكل خمسة أعضاء أبرياء الذمة بتأسيس تجمع نقابي، يقدم عروضاً مسرحية، أو ينتج أعمالا تلفزيونية، أو ينظم نشاطات ثقافية… ومن هنا يوضح فارس الحلو في حديثه لـ القدس العربي:
ورشة البستان هي تجمع نقابي كصيغة قانونية، لكن الصيغة الحياتية هي مجموعة من الأيادي البيضاء، التي تتكاتف لإنجاز هذا المشروع بأسلوب العمل الطوعي… وهم يحضرون أو يتغيبون حسب أوقات فراغهم ومتطلبات عملهم ومستوى حماسهم.
ونسأل الفنان فارس الحلو عن ولادة فكرة هذا الملتقى الذي يجمع الفن التشكيلي والشعر، فيقول: “الأفكار موجودة، ولكنها تحتاج إلى مبادرات… ومنذ ملتقى النحت الأول قبل عامين، انكسرت عندي رهبة المبادرة، وحدثت المواجهة مع ثقافة الاكتئاب والإحباط التي تنمو وتستشري في نفوس المثقفين والشباب في سورية اليوم”.
وأسأل فارس لماذا أطلقت عليه اسم (الأول) مع أن هناك ملتقيات سابقة في مجال النحت قبله… فيقول: “سميت ملتقى الرسم الدولي الأول، كي أحرض نفسي وأصدقائي على أن تكون هناك ملتقيات أخرى… أما عن خصوصية هذا الملتقى، ففي ملتقى النحت كان هناك مجموعة من النحاتين سوريين من الأصدقاء وبعض الفنانين السوريين، وقد استطعت على ضوء التفاعل الأهلي مع الفكرة، أن أنفذ في العام التالي ملتقى النحت العالمي عام 2007.. وحين وجدت أن المبادرة تلقى صدى… وأن هناك ملتقيات للنحت ستكون في السويداء ودمشق وطرطوس… فكرت في طرق باب جديد أفضي الي (ملتقى الرسم الدولي) وكان الهدف منه هذه المرة تقديم شيء لاحتفالية دمشق عاصمة ثقافية هذا العام،انما من خارج المؤسسات الرسمية، وبطريقتنا الخاصة كفنانين وممثلين سوريين ننتمي لهذا البلد… وقد ساعدني في هذا السياق كلا من الزملاء سيلفا ملكيان وفراس نعناع وزكي كورديللو … وسواهم من الذين تعاونوا في تقديم هذا الحدث الذي يليق بنا كسوريين.
وعلى ذكر احتفالية دمشق عاصمة ثقافية، أسأل فارس الحلو، ان كان قد طلب مساعدة أو دعماً أو تمويلاً من الأمانة العامة للاحتفالية، فيقول: “لم أحاول طلب المساعدة منهم لأنه كانت لي تجربة سابقة، حيث طلبت دعماً لفعالية أقل كلفة من هذه لكنهم اعتذروا… وبالتالي فضلت ألا ألجأ لهم مرة أخرى”.
بلاغة المكان!
المكان يفرض نفسه في هذه التظاهرة التي تشع بالحيوية، فحديقة المتحف الوطني بدمشق، التي تضم آثاراً ومنحوتات والتي تطل على واجهة قصر الحيرة الغربي التي تشكل واجهة المتحف، فضلا عن مجاورتها لمآذن وقباب التكية السليمانية الشهيرة بدمشق… كل هذا يعطي المكان بعداً فنياً وحميمياً آسراً… وفي هذا يقول فارس الحلو: “اخترت هذا المكان الجميل لأنه يضم مقتنيات أجداد الفنانين السوريين… هناك صلة رحم قوية وغير مباشرة بين الفنانين الذين يرسمون لوحاتهم الآن، وبين المكان أو المتحف الذي يضم نتاج فنانين في المحصلة”.
وعن الفنانين المشاركين في هذا الملتقى، يوضح فارس الحلو: “الفنانون السوريون المشاركون هم من الفنانين المغتربين… هؤلاء الذين حملوا ثقافتهم المحلية، واحتكوا بثقافة أخرى، فاستطاعوا بهذا التفاعل أن يتخلصوا من بعض الموروثات المتخلفة، لتحل محلها أفكاراً جديدة ونيرة ومعاصرة. ويضاف إلى هذا احتكاكهم مع بعضهم، وخصوصا أن كل واحد منهم يعيش ببلد مختلف… منهم من احتك بالثقافة الفرنسية أو الايطالية الألمانية أو السويدية أو غيرها.
كما يضم الملتقى فنانون أجانب من الصين واستراليا وايطاليا، الي جانب فنانين عرباً (كالعراقي جبر علوان والأردنية هيلدا حياري وسيروان باران عارف من العراق) الي جانب سوريين آخرين انضموا إليه لاحقاً بعد أن رأوا التجربة.
ومن المعروف أن الملتقى يقدم للفنانين المشاركين، كل المستلزمات الفنية من ألوان ولوحات وقواعد وإكسسوارات للوحات وأطر ومظلات كتب على كل واحدة منها اسم الفنان… ناهيك عن طباعة قصائد الشعر على لوحات مستقلة ووضعها في متناول الفنانين والجمهور… وهو يترافق مع عزف موسيقي حي، يقدمه عدد من العازفين الأكاديميين الشباب… ومع أجواء احتفالية حولته خلال أيام إلى تجمع ثقافي بالغ الحيوية.
نزار قباني الأكثر حضوراً.
وكان من الملاحظ في هذا الملتقى، الذي يجمع الشعر مع الفن التشكيلي كما أسلفنا الحضور القوي لقصائد نزار قباني… التي اختارها العديد من الفنانين المشاركين كمادة ملهمة للوحاتهم… وربما شكل هذا ـ وان بصورة عفويةـ تحية للشاعر في ذكرى رحيله العاشرة، التي جاءت نشاطات احتفالية دمشق عاصمة ثقافية في إحياء ذكراه، باهتة ومحدودة الأثر…
الفنان السوري المغترب في فرنسا ماهر البارودي مواليد دمشق 1955 أستاذ مادتي النحت والرسم في مدرسة الفنون التطبيقية العليا في ليون بفرنسا حاليا) اختار قصيدة نزار قباني (لا بد أن أستأذن الوطن) والتي يقول فيها:
يا صديقتي
في هذه الأيام يا صديقتي
تخرج من جيوبنا فراشة صيفية تدعي الوطن
تخرج من شفاهنا عريشة شامية تدعي الوطن
تخرج من قمصاننا
مآذن… بلابل… جداول… قرنفل… سفرجل
عصفورة مائية تدعي الوطن.
أريد أن أراك يا سيدتي
لكنني أخاف أن أجرح إحساس الوطن
أريد أن أهتف إليك يا سيدتي
لكنني أخاف أن تسمعني نوافذ الوطن
أريد أن أمارس الحب على طريقتي
لكنني أخجل من حماقتي أمام أحزان الوطن.
يقول الفنان ماهر البارودي حول اختياره لهذه القصيدة: “اخترت القصيدة التي تناسب الشيء الذي أود أن أرسمه… واخترت شعر نزار لأنني دمشقي، وأحببت أن أختار شاعراً من دمشق ويحمل روح ومعنى دمشق… وأحببت أن أبحث عن شاعر يعبر عن الأفكار التي أحب أن أرسمها وعن عذابات الإنسان العربي ومسألة القمع والحرية، وعندما قرأت هذه القصيدة لنزار أحببتها لأن فيها سخرية، وفيها نقد لاذع… وأنا أحب أن أعبر عن هذه السخرية في فني”.
لكن الغريب أن السخرية قد اشتطت بماهر البارودي حتى حول الإنسان وقمعه وعذاباته إلى (خروف) وقبل أن ألتقيه، لفتني الصديق الممثل فراس نعناع الذي كان يرافقني إلى أن هذا الفنان (يري كل الناس خرافاً) وعندما سألت الفنان البارودي عن هذه المسألة أجاب: “منذ عام 2002 حولت الإنسان العربي إلى خروف… وكنت من قبل أرسمه على صورة ببغاء يردد ما يريدونه منه ويقلد… ثم استقر بي الأمر على الخروف لأنني رأيت فيه رمزاً للسلام والانقياد المستسلم نحو الذبح في تراثنا الشرقي، لكن هذا لا يمنع أن أرسمه ثائراً أو قائداً… وان كان في النهاية يبقى خروفاً”.
والواقع ففن ماهر البارودي مدهش… يأسرك بفكرته، فيجرك كي تستطلع التفاصيل… ترى في خرافه كل ما يمكن أن تراه في أناسه، وبمقدار ما يسخر من هؤلاء فان مشاعر الخوف والذعر في ريشته تلقي بظلال الحنان الإنساني عليهم وعليك كمتلق للوحة!
الفنان السوري المغترب في ألمانيا بهرام حاجو (مواليد الحسكة 1952 ـ درس الرسم في أكاديمية الفنون في ألمانيا 1984) اختار قصيدة أخرى لنزار قباني، بعنوان (أول أنثى… أول رجل) يقول فيها:
يتهيأ لي أني قابلتك…
قبل العصر الكنعاني وقبل العصر الكلداني
وقبل العصر اليوناني… وقبل العصر الفينيقي
وقبل حدود الوقت وتسمية الأيام
أتصور أنك كنت امرأتي قبل ملايين الأعوام
ويقول عن سر اختياره لنزار: “لأن الموضوع الذي أردت أن أرسمه هو الحب… ونزار قباني أهم شاعر جسد قيم الحب… حب المرأة، وحب دمشق… وكان هذا مهما جداً لي، لأنني أرسم الآن في دمشق”.
ويقول عن تجربة رسم لوحة مستلهمة من قصيدة: “في البداية عندما عرض علي موضوع رسم لوحة عن قصيدة، لم يكن الموضوع مألوفاً بالنسبة لي، لأن من المستحيل على فنان تشكيلي تصوير قصيدة كما كتبها الشاعر، فللفنان بصمة وأدوات ورؤى مختلفة… أحسست أن الموضوع صعب، لأنني لا أحب أن أتقيد وأنا أرسم بأي مرجع… لكن من خلال الملتقى، ومن خلال التفاعل مع القصيدة، والاحتكاك ومراقبة الزملاء تطورت التجربة. أما مسالة مراقبة الجمهور لك وأنت ترسم فقد كانت مشكلة بالنسبة لي… فالفنان يرسم عادة داخل جدران أربعة هي ذاته… إلا أن الأجواء الحميمية التي وفرها الملتقى والمكان خلقت لدي إحساسا آخر”.
جرد بهرام حاجو الرجل الأول والأنثى الأولى في قصيدة نزار، من الزمان والمكان والملامح… لكن الإحساس الأبدي بتلازمهما، وتلازم مسارهما الحياتي والعاطفي والإنساني، مع تضاد الألوان حيناً وتقاربها حيناً آخر، أوجد رؤية تشكيلية للمعاني وللقيمة الكبرى التي عبرت عنها القصيدة: الحب.
تشكيل القمع العربي!
والواقع أن أعمال الملتقى الأخرى جسدت قيم الحب، بالتزامن مع عذابات الإنسان وتوقه للانعتاق من القيود، والحرية كفضاء تعبيري آسر لمسناه على سبيل المثال في لوحة الفنان السوري يوسف عبدلكي، المستوحاة من قصيدة للشاعر السوري نزيه أبو عفش… وفي أعمال أخري كثيرة، بدت أشبه بصرخة ضد زمن عربي يمعن في قمع الإنسان ومحاصرته وتهميشه.
وإلى جانب نزار قباني ونزيه أبو عفش، حضرت قصائد للشاعر السوري أدونيس إحداها عن دمشق التي كانت ملهمة للفنانين على ما يبدو في هذا المعرض… والتي شكلت مناسبة اختيارها عاصمة ثقافية للعام 2008 ملمحاً من ملامح هذا الملتقى، ليس على صعيد المواكبة المناسباتية العابرة… وإنما على صعيد بلورة الوجه الثقافي، لمدينة اختزلت في مسارها الطويل، أزمان وفنون وحضارات متعاقبة امتزجت على مر سنوات طوال لتصنع فرادتها وتميزها.
أخيراً…
فقد كتب فارس الحلو في بروشور هذا الملتقى يقول:
“إن نجاح المشاريع الثقافية في مجتمعاتنا المتخلفة يبقي نجاحاً محدوداً، اذا غابت عنها بعض المقومات.. أولها: إذا لم تستطع هذه المشاريع أن تلفت نظر المجتمع المحلي وتشركه فيها، وثانيها: إذا لم تحمل فكرتها إشكالية ما، وثالثها: أن يكون هدفها قريب المدى وبعيده في آن واحد… وآخرها أن يتوفر مصدر التمويل الكافي لتغطية تكلفتها والتي غالباً لا تكون كبيرة”.
ولقد سعى ملتقى الرسم الدولي، لأن يقترب من الناس، وأن يلفت نظرهم عبر حملة إعلانية كثيفة، وعبر جهود فردية مخلصة، وعبر مبادرات عديدة جعلت من حديقة المتحف الوطني التي علاها الغبار، مكاناً للصخب والحياة ورؤية وجوه وفعاليات جاءت لتستطلع مناخاً ثقافياً تضافرت فيه فنون متعددة، وإبداعات متجددة حرة يجمعها هاجس الأصالة وشجاعة التعبير.
وإذا كان من يقول أن هذا الملتقى لا يغير في النهاية من حالة الاكتئاب الثقافي التي يعيشها المجتمع السوري المشغول بلقمة عيشه وأزماته الحياتية، وإذا كانت الزهرة لا تصنع ربيعاً كما يقال… فان أهمية هذا الملتقى أنه كان زهرة مشاغبة في صحراء قاحلة… إن لم تصنع ربيعاً، لكنها أوحت به لبعض الوقت على الأقل!










