وحده فارس الحلو يعرف ما معنى أن يكون غبار الأحجار المنحوتة في ملتقى النحت الأول في مشتى الحلو (حمام غسيلٍ من أوساخ مهنة التمثيل)، إلا أن بوسع أي زائر للملتقى أن يلتقط معنى، أن يراهن المواطن فارس على الحب، اسماً ومضموناً، في تجسيد الملتقى لمعنى المواطنة، كما يفهمها فارس، على الأرض.
وعلى الأرض ستتكامل قامات المنحوتات الرخامية بعد نحو خمسة وعشرين يوماً لتكون الشاهد على النسغ الحي الذي ما زال يجري في عروق المواطن السوري، وكيف أنه ما زال يملك القدرة على المبادرة والإبداع، إذا ما ترك له فسحة من الرضا الحكومي، بمعنى الإيمان بمقدراته.
تبدأ حكاية ملتقى النحت الأول في مشتى الحلو من حلم للمواطن فارس الحلو بالخروج ببلدته الجبلية (مشتى الحلو) من حصار التجارة والسياحة التجارية وبرودة الأسمنت، نحو حضور ثقافي جميل يزيد على معالم المدينة المميزة معلماً آخر، يضفي عليها جمالاً إضافياً، ويوثق الحراك الثقافي والسياحي للمنطقة.
الحلم سرعان ما صار هاجساً، نضج واختمر مع رحلة عمل طويلة، فيها من الخيبات والصعوبات والمعوقات ما يجعل من لقاء عشرة نحاتين في الملتقى إنجازاً يتجاوز ما يمكن أن يقال عنه إنه عمل عابر هدفه إثارة الضجيج وتفتيل العضلات..
هذا الملتقى من فضيلة الناس البسطاء أيضاً، حين تصير المواطنة لافتة عريضة وخطابات، وقد روى لنا الفنانون المشاركون في الملتقى عن فعل (المواطنة) الحي كما عرفوه وسط أهالي مشتى الحلو، وهم يتسابقون لدعوتهم إلى موائد الطعام والإقامة والسهر في بيوتهم وفي مطاعم وفنادق البلدة، فضلاً عن المشاركة المادية في دعم نجاح الملتقى، التي وصلت إلى حد تبرع المغترب (بسام بدري الحلو) بقيمة الرخام الإيطالي.
وتبقى روح الملتقى الحقيقية في مناخه الفني بكل ما ينطوي عليه من حوار وتعاون بين النحاتين، أساتذة وطلاباً، ومن فرصة للاطلاع على تجارب الفنانين وتقنيات عملهم، فضلاً عن التفاعل الجاد والمحفز للإبداع، لاسيما أن الملتقى تميز بالاندماج والمعايشة التي جمعت الجميع فوق بساط أحمدي، ومنحه فائدة ومتعة أكثر، ذلك الفضاء المفتوح للجمهور على مشاهدة الكتل ومسيرتها نحو التكامل وأخذ شكلها النهائي.
في سمبوزيوم هذا العام (هذا التحديد يحاكي رغبة فارس الحلو بإقامة الملتقى سنوياً) شارك كل من النحاتين (محمد بعجانو، عماد كسحوت، أكثم عبد الحميد، إياد البلال، نزار البلال،همام السيد، هادي عبيد، نور الزيلع، علاء محمد، كنانة الكود، سماح عدوان.
وقد أتيح للجميع، كما يقول فارس الحلو، فرص متساوية للتعامل مع قطع كبيرة من حجر الرخام الإيطالي نوع الكرارا، تستعمل للمرة الأولى في تاريخ الملتقيات النحتية في سورية، وتتميز بإمكانات جمالية عالية من شأنها أن تهيئ الظروف المناسبة لتجسيد أفكار الفنانين الإبداعية على أكمل وجه.
ومع تساوي الفرص واجتماع الفنانين على فكرة واحدة (جمال الحب) لتكون موضوعاً أساسياً تنسج في فلكه أفكار منحوتاتهم، أُنجز عشر منحوتات، امتلك معظمها عوامل بهرها وقدرتها على جذب الأنظار إليها وتذوق معانيها، لاسيما أنها اختارت الأسلوب الواقعي المبسط منهجاً لتشكيلاتها، وهو (اختيار مدروس، كما وصفه الفنان أكثم عبد الحميد، جاء استجابة لرغبة فارس الحلو بأن تمس الأعمال ثقافة المواطن، وتكون مقروءة من قبل الجميع، لا من قبل فئة بعينها.. ومن المقرر أن يقام معرض لهذه المنحوتات العشر قبل توزيعها على عدة مناطق في (مشتى الحلو) بعد دراسة الأماكن والقواعد اللازمة، تمهيداً لجعل البلدة برمتها معرضاً لفن النحت السوري.
رأى الفنانون المشاركون في الملتقى أيضاً مناخاً فنياً يعود بالفائدة على الفنان والمتلقي والفضاء العام لبلدة مشتى الحلو.
وأكد الفنان أكثم عبد الحميد في هذا السياق أن الملتقى نجح إلى حد كبير في مقاربة الأفكار والأهداف التي أقيم من أجلها، فاستطاع أن يقدم كتلاً نحتية متميزة بتقنيات متفاوتة وعناصر تعابير مختلفة بروح واحدة..
الفنان عماد كسحوت قال: إن للملتقى حالة فنية مختلفة تماماً، فمعايشة الناس لتشكّل المنحوتة من شأنه أن يخلق ثقافة بصرية لدى المتلقي. فضلاً عن حالة التآلف الحاصل بين التجارب المختلفة للفنانين المشاركين، ولاسيما أن ملتقى مشتى الحلو يجمع بين أساتذة وتلاميذهم في علاقة تجاوزت حدود المعلم والتلميذ نحو التأثير والفائدة المتبادلة، قدم الفنان عماد كسحوت في عمله النحتي تجسيداً لعلاقة الأنثى والذكر في حالة الحب، وهما في نصبه كما في الطبيعة، اثنان، متصلان قابلان للانفصال، وكذلك يكون الحب.. وبذلك عمد كسحوت إلى تمثل وجهين في منحوتته: الأول لامرأة في ذروة الحب، والثاني لرجل بكل ما ينطوي عليه من قوة وصلابة.
ولاحق الفنان محمد بعجانو طبيعة منطقة مشتى الحلو الجبلية ليجسد في منحوتته (ملاك الحب) امرأة مجنحة يتصل بجسدها طائر يتحدث معها عن الحب همساً، بينما تنعكس ملامح الخجل مما تسمعه من الطائر على وجهها. والعمل كما يقول الفنان بعجانو نفذ بطريقة خاصة قريبة من أسلوب النحت اليوناني الكلاسيكي، الذي فرضته طبيعة الحجر الإيطالي المنحوت، فضلاً عن المنطقة التي تفرض نفسها هي الأخرى على موضوع العمل وتقنيات تنفيذه
منطقة مشتى الحلو الجبلية وجدت صداها في منحوتة الفنان الشاب هادي عبيد (عروس المشتى). وقد جسدت فتاة شامخة حملت في ملامحها طبيعة المنطقة بكل ما تنطوي عليه من صمود وكبرياء وتحد.
الفنان نزار البلال اختار المرأة أيضاً عنصراً أساسياً لعمله النحتي، فبدت في حالة جموح، يطير شعرها حتى يلتف حول الرجل، إذ يتحد الجسد ويرتبطان في حالة حب عظيمة..
أما الفنان همام السيد فوجد ضالته في التعبير عن الحب في (الحلم) الذي تجسد برجل كهل يمثل التاريخ والإرث الحضاري والماضي تخرج من جمجمته الأفكار العظيمة على نحو امرأة عاشقة ورجل يناجي ربه، وربما هو يغني.
ولعل سعادة الفنان علاء محمد بنحت عمل لمشتى الحلو، وهو ابن محافظة طرطوس، انعكست على نحو جمالي كبير في منحوتته (نشوة)، التي نجحت إلى حد كبير في تمثل حالة آخر الحب التي تعيشها المرأة، وهو تجسيد بدا حياً وصارخاً.
أما الفنانة الشابة كنانة الكود، فخرجت عن سرب (رجل- امرأة) في التعبير عن الحب فاختارت نحت طائرين ملتفين أحدهما على الآخر للتعبير عن هذه الحالة الإنسانية، وفي ذلك كانت تنزع قليلاً نحو التجريد رأت أنه شكل نقطة اختلاف بسيطة عن المنحوتات الأخرى في الملتقى، وبدا مثيراً أكثر لفضول المتلقي وأسئلته.
إلى جانب المنحوتات العشر التي احتفت بها مشتى الحلو، عاش أطفال البلدة الجبلية ورشة عمل بإشراف الفنانة الشابة سماح عدوان لتعليمهم مبادئ فن النحت، والتعرف على أدواته وتقنياته. كان اللافت فيها مشاركة معظم أطفال مشتى الحلو، وقد تحدثت سماح مطولاً عن الحماسة التي يعمل ضمنها الأطفال وإبداعهم أفكاراً وأساليب متعددة.
فارس الحلو: هنا، في الملتقى، نحن أكثر حرية
في سؤال عن مساحة الشخصي في ملتقى النحت الذي دعا إليه وعمل على تنفيذه على أرض الواقع قال فارس الحلو: إن أي عمل فني حقيقي أشبه بحمام غسيل من أوساخ مهنتنا، وهنا في الملتقى نحن أكثر حرية، نحن نصنع للآخر، وهناك الآخر هو من يتدخل في عملنا بدءاً من عقل الكاتب إلى أداء الممثل وطريقة عرضه.
وعن سر العلاقة التي تربطه بفن النحت لفت فارس الحلو إلى أنه بوصفه فناناً لا يبدو بعيداً عن أجواء النحت، فدائماً هناك احتكاك بين الفنون وثمة ألفة، على نحو لا يمكن لأي منا أن يشعر بغربة تجاه الآخر، وأضاف فارس: “ثم إن علاقتي مع أصدقائي من الفنانين التشكيليين هي أقوى من علاقتي مع وسطي الفني نفسه”.
فارس أكد أن الأفكار دائماً موجودة، لكنها تنتظر شرارة الإقلاع.. لافتاً إلى أن الخطوة الأولى غالباً ما تكون محفوفة بالخطر، ومن الممكن أن تحبط، لذلك هو يرى أنه لابأس من أن تكون المغامرة الأولى فردية!.











