فارس الحلو.. الفنان ذو الظل الخفيف.. والممثل البارع ينظم الآن أحد أهم الملتقيات الفنية في سورية وفاءً منه لوطنه ومدينته.

المشهد كان أكبر من حوارات صحفية تقليدية مع المشاركين.. وجولة خاطفة لا تكفي.. والجلوس مع المبدعين لاحدود له.. والاطلاع على ثقافاتهم ومفاهيمهم يتطلب الإقامة معهم، ومشاركتهم طعم الغبار الأبيض، والاستماع إلى أوركسترا الإزميل والمطرقة.

لبيت دعوة الصديق الفنان أحمد خليل لزيارة الملتقى المذكور مع مجموعة كبيرة من الأطفال الذين يتدربون في مركزه متخيلاً أنني سأكون بين فنانين تعودت الحوار معهم ولديّ أفكار مسبقة عنهم؛ ولكن الذي حصل أن ذهولي وصل إلى حدّ الصمت عندما رأيت عشر كتل صخرية تكاد تنطق وتعانق الجميع وحرارة الطقس أصبحت ثلجاً يداعب جسدي. وقفت على الطرف الآخر من مكان الملتقى وتأملتُ هؤلاء الذين لا يشغلهم شاغل إلا الجمال والحب.

وفارس الحلو.. كان يتنقل منهمكاً بين الكُتل وفنانيها يمازحهم ويحاورهم.. يعانق الأطفال.. صور تذكارية، وحكايا لا تخلو من الذكاء والحنكة الحرفية.

أنا لستُ ناقداً تشكيلياً ولكنني محاور استعنت بالصديق أحمد خليل ليساعدني في وصف المشهد فقال:

إن مُجمل الأعمال يسير باتجاه واحد وإن اختلفت الأساليب.. فالموضوع يرتبط بالطبيعة والحالة الإنسانية التي يعيشها الجميع.. وهذا هو الفن بعينه حيث إن الفنان لا يستطيع أن يبتعد عن المكان، ولكن الأساليب اختلفت، والسرعة بالتنفيذ متشابهة، والاعتماد على استطالة الأعمال هو بحسب الفراغ التي ستشغله هذه الكتلة.. والمهم هو أن الجميع يستخدم السطوح المنحنية والطرية ليكون هناك تناغم ما بين الطبيعة المحيطة والعمل.. وهذا يتطلب حرفية كبيرة، والواضح أن الجميع يمتلكها. اقتربت من النحات أكثم عبد الحميد، وسألته عن أهداف الملتقى وما بين يديه، لاسيما أنه يتميز بابتسامته المعهودة وثقافته الواسعة في مجال النحت، وبدأ يحدثني عن كل شيء سألته عنه.. وطال الحوار معه.. وكان لا بد من وقفة بعد نهاية الملتقى مع كل فنان على حدة، لكن الذي عرفته أن النحات أكثم عبد الحميد يعمل بقناعة يُمليها عليه واجبه الأخلاقي والوطني.. كيف لا وهو نحات الجبل الذي سيقف في إحدى ساحات مشتى الحلو.. مُعلناً حُبه وعشقه لها.

وبالمقابل رأيت الفنان محمد بعجانو الاسم الكبير في عالم النحت السوري والذي وضع بصمات واضحة في مهرجان المحبة.. وملتقى الشجرة وغيرها من ورشات العمل التي تخصّ هذا النوع من الفن.. ‏ رأيته يعمل بصبر وجلد كبيرين، ويتعامل بهدوء واضح مع كتلته الصخرية، فيحولها إلى عجينة مطواعة، كما لمحته يعانق الأطفال ويتحدث معهم.

إياد بلال، صاحب النُصب الشهير للشيخ صالح العلي في طرطوس ومنمنمات الملاجة، كان أشبه بمن يصنع جانباً آخر، وبُعداً رابعاً، والذي يراقبه جيداً يعرف أن العمل الذي يقوم بتنفيذه هو جزء منه.. فهو له في كل عمل من أعماله بيت خاص به، أما عماد كسحوت، فقد ترك ازميله ومطرقته وراح يجول بعينيه على الأطفال مُتمنياً اللعب معهم، ناظراً في تساؤلات وجوههم.. (العمل لم يكتمل بعد يا أصدقائي لكنني أراه جاهزاً الآن.. المشتى مدينة جميلة).

علاء محمد..  كان يتظلل تحت شجرة الزيتون الصغيرة متأملاً عمله العملاق، وراصداً كل شيء يحيط به.. وعلاء من فناني طرطوس المتميزين، وله بصمته مع طلابه كباراً وصغاراً، وهو الذي ينشر الثقافة البصرية الجمالية في أعين الجميع في طرطوس، وسيكون عمله الجيد بمنزلة صفحة جديدة في تاريخه الفني.

نزار بلال:  الصمت سيد الأحكام، لنُنهِ أعمالنا ولكل حادث حديث، والمهم أننا سنضع في مكان ما من هذا الوطن لمسة جمالية، وكتلة فيها إيقاعات الحب والجمال لهذه المدينة الساحرة..

كنانة الكود، هذا الجسد الرقيق الناعم يُعاند الرخام ويوقظ في تفاصيله الحركة اللازمة. فهل الأداة ثقيلة ياكنانة؟! لا.. كلُّ شيء مُريح أمام الهدف..

نور الزيلع: الكمامة وربطة الرأس كانا جزءاً من عملها، تحوم حول مجسمها، وتأتيه من جهاته الأربع ثمّ تنتظر لتقتحم هيكلية الكتلة بضربات متتالية، وحين سألناها ماذا تفعل؟ قالت: أرسم لنفسي صورة.

هادي عبيد، وهمام السيد، لهما مع تراثهما العائلي الفني ربطة نرجس وكأس مليئة بالياسمين، هل هذه مغامرة؟.. لا.. أبداً ولكنها إثبات وجود.

فارس الحلو.. ابن المشتى المضياف، يلتقط صوراً تذكارية مع الأطفال الذين أحبوه، ولنا معه فسحة حوار قادم في تفاصيل ما أعده ويعده من هذا المشروع.

‏المصورة الفوتوغرافية نسرين فياض: ‏ ماذا تشاهدين؟
أُشاهد متحفاً داخل متحف، وجنة فيها فسحة لكتابة الشعر.. أرى الوطن يكبر مع هؤلاء، فقد أذهلني المشهد.. وهأنذا أوثقه صوراً ضوئية.

المهندسة سمية فياض: أتمنى أن يُصبح هذا الملتقى تقليداً سنوياً، يتكرر في كل المدن السياحية في سورية.. ومن الضروري أن يكتمل المشهد الجمالي والسياحي. ولكن هل يبقى هؤلاء يقدمون بلا حدود؟!!.. أرى أن يُكرّم هؤلاء المبدعون وبعد هذه الجولة السريعة في ملتقى جمال الحب بمشتى الحلو نقول: من كان وفياً لمدينته فهو حُكْماً وفياً لوطنه.. ومن يساهم في إغناء الجانب الفني والسياحي، فمن المؤكد أنه تلقى من عائلته التربية الوطنية والثقافة الجمالية البصرية التي هي نصف الحياة.. ونأمل أن نلتقي هؤلاء المبدعين بعد إنجاز أعمالهم لنشدّ على أيديهم..إنهم مثقفون أخلاقيون.