جنات ع مدّ النظر.. منحوتات تنبض بالسحر
ما إن تصل إلى قلب بلدة مشتى الحلو، حتى تشعر وأنك قد اغتسلت من جزء لا بأس به من ضغوطات الحياة ومنغصاتها، وذلك بفعل الطريق المؤدي إليها من حمص.
وهي التي تتبع محافظة طرطوس، فكيف إذا قضيت يوماً كاملاً في ربوعها، كما حدث معنا يوم توجهنا إليها، وكان هدفنا الأساسي مشاهدة ملتقى النحت الأول الذي أقامه ونظّمه الممثل فارس الحلو؟
إثر وصولنا بدأنا بالتعرّف على الفنانين والفنانات المشاركين في الملتقى، وبمشاهدة تفاعلهم فيما بينهم، وبين الناس الذين يجيئون إلى الملتقى لمشاهدة ما أقاموه من حوارات بين أرواحهم، وبين روح الرخام الإيطالي، عالي الجودة. فأدركنا أهمية هذا الملتقى وضرورته، وضرورة مدّ يد العون له.
ولو أنك عزيزي القارىء جئت إلى الملتقى الذي زرناه قبل أيام من نهايته، والذي نتمنى أن تزوره في أقرب وقت، لمن المؤكد أنك ستستمتع بالأعمال النحتية المنجزة، وبجمال مشتى الحلو.
لكنك لو استغربت أن يدعو الممثل فارس الحلو لإقامة مثل هذا الملتقى، نتمنى ألا يطول استغرابك، إذ إن ثمة أكثر من علاقة بين التمثيل والنحت، فهما من عائلة الفن والجمال أولاً، ولهما رسالة واحدة ثانياً، ألا وهي السعي بالإنسان نحو السمّو بأفعاله والارتقاء بها. ومن المؤكد أن من يقدّرهما لا بد له أن يقدّر جمال طبيعة مشتى الحلو ويقيم في ربوعها، التي حاولنا في جولتنا التعرّف على أكثر من منطقة فيها، منها جبل السيّدة الذي أقيم فيه كنيسة من طراز مختلف.
ومن يتجول في مشتى الحلو لا بد أن يتمتّع بمباهج طبيعتها الزاهية، إلى درجة يجد نفسه فيها مسحوراً يغني مع الفنان الكبير وديع الصافي: (جنّات ع مدّ النّظر / ما بينشبع منها نظر وهذا ما يدفعنا للقول: حقاً، مشتى الحلو بلدة سياحية ساحرة بامتياز، تروّح عن النفس وتسترجع لها شيئاً من توازنها. ومن هذا المنطلق جاءت تسمية الممثل فارس الحلو للملتقى بـ (جمال الحب) ففي مشتى الحلو كل شيء يدعو للحب.
بعد أن رحب بنا الفنان الحلو، بدأنا بالتعرّف على الفنانين الذين ينفذون برنامج عمل يومي محدد، فبعض منهم، كاد أن ينهي منحوتته، وبعضهم الآخر يحتاج إلى استنفاد ما تبقى من وقت الملتقى، لكنهم جميعاً مسرورين بفكرة الملتقى وبعنوانه، وبتلقي الناس في مشتى الحلو له وتفاعلهم معه، خصوصاً بعد إن تخفف الشمس مداعبتها لهم بألسنتها النارية، وهذا ما لمسناه بأنفسنا، إذ شاهدنا تجمع الناس كيف يطلّون إلى مكان الملتقى ويتأملون المنحوتات والفنانين، وماإن يستطلعوا المكان ويلمسوا ترحيب الجميع بهم حتى يشتعل الفضول لديهم فينزلون إلى مكان الملتقى ويشاهدون عن قرب كيف تنفّذ الأعمال النحتية، فيسألون، ويتحاورون، ثم يتصورون مع الفنانين والأعمال النحتية، ثم يغادرون بتلويحة ودٍ مزدهية بالمحبة.
وتجدر الإشارة إلى أن ثمة منهم من حضر أكثر من مرة، ليتابع تحول الكتل الرخامية من شكل إلى آخر، وليحاول التقاط الحوارات التي أقامها هذا الفنان أو تلك الفنانة مع الكتلة الرخامية،وليشاهد كيف تتجسد هذه المنحوتة أو تلك بعد كل ذلك العناء اللذيذ.
واقعية بحرفية عالية
والمتأمّل في المنحوتات يجد أنها جاءت بأسلوب واقعي ممزوج قليلاً بالتعبيرية في بعضها، وسبب اختيار الفنانين لهذا الأسلوب هو أن هذا الملتقى هدفه الأول تقديم ثقافة بصرية بشكل مباشر أمام الناس، كما أسلفنا قبل قليل، والسبب الآخر هو مخاطبة أذواق عامة الشرائح، بما أن هذه المنحوتات سوف توضع في أماكن متعددة من البلدة، لكن هذا لا يعني أن الأعمال جاءت على قدر قليل من الفن أو القيمة الجمالية، بل على العكس تماماً ونابضة بالسحر.
ولعلّنا نتوقف أولاً مع منحوتة الفنان أكثم عبد الحميد لأنها حملت اسم (بورتريه لمشتى الحلو) كما أخبرنا، فقدّم لنا مشتى الحلو بوجه امرأة جميلة ليعبّر عن جمال طبيعتها، فكانت السطوح في أغلبها ملساء وتحمل حناناً، في حين جاء شعر البروتريه يعبّر عما يشبه أمواج البحر، والأذن كدائرة، وهما يتضمنان رموزاً هندسية، ولغوية مسمارية، كدلالة على عراقة مشتى الحلو وانتمائها إلى عمق حضاري، وهذا ما منح المنحوتة إيقاعاً جميلاً، ونزعم أنه حقق التوازن لها مقابل المساحة الواسعة من السطوح.
وتأتي منحوتة الفنان عماد كسحوت لتوازي منحوتة عبد الحميد من جهة الإتقان، وهي تجسد أيضاً بورتريه، في جهة منه يعبّر عن الشباب والجهة الأخرى عن الكهولة، كهولة دون ترهل، كأنها الود الذي يمكن أن يشتعل بين شاب وأبيه، وهذه جرأة نحتية، إذ أن الفنان لم يذهب إلى علاقة تقليدية بين شاب وصبية، أو رجل وامرأة ناضجين، والعين في البورتريه تشبه إلى حد كبير امرأة مستلقية، فتمنح البورتريه جمالاً إضافياً، إلاّ أن جرأة كسحوت في الإبقاء على ثلاث مناطق في المنحوتة لم يقاربها بإزميل أو مطرقة، تبدو للمشاهد وكأن ثمة من اعتدى على المنحوتة، وبذلك خلق مايحفّز المشاهد ليبحث عن الأسباب. وهذه مغامرة تجريبية تسجّل له.
وكذلك فعلت نور مع اهتمام أكثر بالتضاريس، فالمنحوتة لامرأة ممشوقة القد، تفحّ أنوثة وإثارة. وتشترك مع منحوتة هادي بالرشاقة، وبمفهوم بصري معاصر لجسد المرأة، ويمكننا تشبيه الأولى بالدمعة، والثانية بالسنبلة.
واشتغلت نور الزيلع وهادي عبيد على جسد المرأة في حين غابت التضاريس عند هادي وأخذت السطوح مساحة واسعة فهي إذاً أقل حسية، لكن لا نشعر بخلل إيقاعي في المنحوتة، وينتابك إحساس بأنها لامرأة قديسة تتباهى بخصوبة روحها،وكأن لمنحوتته من اسمه نصيب.
أمّا الفنانون محمد بعجانو ونزار بلال وعلاء محمد فقد اشتغلوا على جسد المرأة بتضاريس أكثر، فأظهرت منحوتاتهم اهتماماً أكبر بعمارة الجسد. وجاءت منحوتاتهم على عكس المنحوتتين السابقتين من جهة الرشاقة، لكنها تتمتع بحركية الجسد، ما أضفى عليها جميعاً تفرداً خاصاً وتكويناً متوازناً.
فالمرأة عند بعجانو حورية ممتلئة بالخصب، وعند بلال منتشية وكأنها انتهت للتو من فعل حب، وهي قنطرة محبة عند علاء.
واشتغل إياد بلال على وجوه ذكورية وأنثوية فيما يشبه منحوتة من حضارة قديمة، إذ تركّز عمله في وسط المنحوتة وترك الجانبين الأعلى والأسفل سطوحاً شبه ملساء موشاة ببعض الرموز ليكتمل إيقاع المنحوتة.
أمّا همام السيد فانقسمت منحوتته إلى بورتريه رجل، في الأسفل، وينبثق منه ذكريات حبه على شكل امرأتين تحنوان على بعضهما بطريقة مميزة، ولا تشكو المنحوتة رغم ضخامة البورتريه من هرمية في التكوين بل على العكس، وتكوين المرأتين وانحناءاتهما أضفيا توازناً وسحراً.
وإن اشتغل الجميع على تلوينات جمال الحب عند الإنسان،كما أسلفنا، فإن كنانة الكود لم تبتعد عن ذلك لكنها غرّدت خارج الفعل الإنساني وذهبت باتجاه الطيور، فمنحوتتها عبارة عن طيرين متلامسين بالوجه والأجنحة بحالة عشق أخاّذة، وبما أن الطيرين توضعا في رأس المنحوتة فكان لا بد من أن تضبط إيقاع المنحوتة بتجويف دائري في منتصفها تقريباً، دون أن تنسى منحها رشاقة تتطلبها مثل هذه المنحوتة.
ورشة للأطفال
اهتمّ الملتقى أيضاً بالطفل فخصص له ورشة تعرّفه على هذا الفن وأساسياته وأدواته، وتولت هذه المهمة الفنانة سماح عدوان، فخصصت لهم كل يوم ساعتين وكان (الطين) وسيلة إيضاح وتدريب للأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين (4) و(12) سنة، فلمست لديهم شغفاً بهذا الفن إلى درجة أن بعضهم كان يقدّم مقترحات فنية، فتشجعهم على تطبيقها، ومن المفترض أن ما أنجزوه سيقدم في معرض خاص. ولم تخف سماح إعجابها بالملتقى ورغبتها في أن تكون بين صفوف زملائها في الملتقى الثاني لتقدم منحوتتها الخاصة.
مساهمات تنتظر دعماً
ويذكر أن أبرز المساهمين في تمويل الملتقى إلى جانب الفنان فارس، د. بسام بدر الحلو، وفندق مونتانا، وفندق بانوراما، و مطاعم (برادايس، ع البال، رأس النبع، كان يا مكان)، ويمكننا القول إن هذه المساهمة خطوة يجب تقدّيرها وتشجيعها ومساعدتها، لتتعزز فكرة الملتقى الذي يجعل الأنظار تلتفت إلى مشتى الحلو سياحياً بوساطة الثقافة، فهل تتضافر الجهود لدى مجلس بلدة مشتى الحلو لتبنّي الأعمال المنحوتة ووضعها في أماكن تليق بها، وبالتالي نؤمّن للفنانين المردود المعنوي الذي يليق بإبداعاتهم؟ أم أننا مثل العادة نصفق لكل فكرة جميلة شرط ألا يكلفنا ذلك تقديم معونات مالية، وبذلك يتم قتل كل مبادرة تخدم تطوير أي جانب من جوانب الحياة في بلدنا، على رغم تصريحات حكومتنا بأنها تشجع القطاع الخاص ومبادراته لتطوير البلد. إذاً لعلّ جهة رسمية ما تكفننا بخيبة فتقوم بعمل إيجابي تجاه هذا الملتقى، وما يشبهه من جهة أهدافه النبيلة.
أخيراً، لا أستطيع أن أغفل الإشارة إلى من جعلوني شريكاً لهم في المتعة التي حصدتها في مشتى الحلو، ففي المكان الذي انضممت إليهم في حمص، ودّعتهم وتمنيت لهم الوصول بالسلامة إلى دمشق،بعد أن عدنا وأجراس الحياة ترنّ فينا من جديد، وهم الأعزاء : الروائي والسيناريست خالد خليفة، والزميلان راشد عيسى وماهر منصور، والمصور أيهم ديب.

