مُلتقى النحت العالمي في مشتى الحلو

للعام الثاني على التوالي تحتفي بلدة مشتى الحلو بملتقاها النحتي الذي يسعى لتكريس حالة ثقافية جمالية ذات بُعد سياحي بآن ٍ معاً. 

وللعام الثاني أيضاً تكرس هذه البلدة الجميلة نمطاً من المبادرة التطوعية والمساهمة الأهلية في إنتاج علاقات الثقافة والفن. 

وللعام الثاني كذلك تكرس ورشة البستان الثقافي والفني موضوعة “جمال الحب” عنواناً لهذا الملتقى بكل ما يحمله من رومانسية ومباشرة معاً. 

وقد أعلن الفنان فارس الحلو صاحب فكرة الملتقى والمشرف عليه، إهداء هذه المبادرة الثقافية إلى كل المكتئبين والمحبطين واليائسين من أي حراك اجتماعي يُنتج جمالاً وثقافة وراحة بال” مُبرهناً أنه بإمكاننا “أن نتشارك جميعاً في صناعة أحلامنا وصياغة مفهوم جديد للثقافة” ونحن على يقين بأنّ كل شيء يبدأ صعباً، خاصة عندما نتحدث عن الجمال وسط القبح، ونتحدث عن الحب وسط هذه الكراهية. 

هذا التفاعل الكبير بين الناس والملتقى لم يقتصر برأي الفنان فارس الحلو على جانب الاهتمام والمتابعة للتحولات الإبداعية ما بين الحجر والمنحوتة النهائية، بل ظهر في أفعال مادية محسوسة ومساهمات كبيرة من قبل هؤلاء الناس لاستضافة الفنانين في الملتقى والاحتفاء بهم، هذا التفاعل الاجتماعي والتواصل بين الناس والفنانين، شجعني كثيراً على تطوير فكرة الملتقى لجعله أكبر واهم، ولجعله في مستوى تجاوب هؤلاء الناس مع فكرته. 

وقد شمل التطوير هذا العام مسائل كثيرة، أولها وأهمها هو الانتقال بالملتقى باتجاه العالمية من خلال استضافة مجموعة من الفنانين الأجانب، رينو جيا نيني من إيطاليا، فرانكو داغا من استراليا، إيفان ميلنكوف من روسيا، ماريو تابيا من الإكوادور، نيكولا فيري من فرنسا، ساسون ينغيباريان من أرمينيا، وسوزان باوكر من ألمانيا. 

يقول الفنان بطرس الرمحين المقيم في إيطاليا منذ ربع قرن تقريباً: “تعرّفت بالمصادفة على فارس الحلو، أثارني حماسه للموضوع واختياره للنحت دون سواه، مع انه ممثل. فتعاونت معه على إقامة هذا الملتقى، خاصة وأنني أمتلك مركزاً لتعليم فن النحت في كرارا بإيطاليا، وأستضيف أعداداً من الفنانين الأجانب فيه، وهكذا التقى فارس الحلو بالفنانين الأجانب،‏ واختار سبعه منهم بناءً على الأسلوب الذي أراد للملتقى أن يشتغل عليه، أي التعبيرية الواقعية، كذلك اشتغلنا على اختيار /13/ كتلة رخامية من مقالع كرارا نقلت إلى هنا، وأعتقد أنّ ذلك سيساهم في رفع سويّة الملتقى، ويدفع به لاحتلال مساحة بين الملتقيات النحتية الدولية”.

يضيف أكثم عبد الحميد أنّ النشاطات الموازية لهذا الملتقى شهدت تطوراً نوعياً. فورشة تعليم الأطفال فن النحت لاقت إقبالاً غير متوقع في العام المنصرم، لذلك أضاف فارس هذا العام مواد لورشة الأطفال كتعليم الرسم والتصوير الضوئي وتركيب الفسيفساء، وأقام معرضاً للكتاب سيستمر في المنطقة لنهاية الموسم السياحي  إضافة لمجموعة عروض فنية مرافقة لفرق موسيقية محلية عربية. 

يقول الحلو إنّ فكرة الملتقى تقوم على عمل طوعي غير ربحي أو تجاري، وهذا لا يُمكن تحقيقه في المسرح أو السينما وحتى الدراما التلفزيونية. فهذه الأعمال تحتاج إلى جهات إنتاجية ضخمة وإلى تمويل كبير، بينما في النحت نحن نقدم للفنانين ما هو رمزي فقط، مصروف جيب إن صحّ التعبير. 

أما النحات أكثم عبد الحميد فيقول: “فن النحت السوري هو الابن الشرعي لمنطقتنا وثقافتنا، إذ يمتد لعشرة آلاف سنة خلت. ولم يقتصر على مدرسة أو حضارة بعينها، بل نجد إرثاً ومدارس فنيّة متنوعة، لكل منها فلسفتها الخاصة وقيمها الجمالية، بعكس ما نراه في مصر من سيادة المدرسة الفرعونية في النحت. وكثير من النحاتين الكبار في العالم ينظرون إلى النحت باعتباره فناً سورياً، ليس دخيلاً على منطقتنا، وليس دخيلاً على ثقافتنا، أو عاداتنا وتقاليدنا. بدليل انتشار المنحوتات السورية القديمة في كل متاحف العالم، وفي متاحفنا الوطنية، بكثافة تغطي حقب التاريخ مجتمعه. ورغم الانقطاع ما بين الماضي والحاضر”.

ولدى سؤاله عن اختيار أسلوب التعبيرية الواقعية في العمل يقول فارس الحلو: “إنّ الهدف من هذا الخيار هو لأجل خلق تواصل جديد مع الناس، خاصة أن الفن التشكيلي المعاصر عموماً يبتعد عن الناس. بداية من وضع الأعمال الفنية في شوارع وساحات البلدة، ماتمنح الناس شعور الملكية والانتماء، فإذا لم يحبها الناس فلن يحموها. لنتفق أنّ الذائقة البصرية والفنية للناس في مجتمعاتنا كانت مهملة خلال أجيال وعقود، ونحن بحاجة لإعادة الاشتغال على هذه الذائقة، ودفعها لتحسس مواطن الجمال والتفاعل معه، هذه الذائقة لم تكن سابقاً على جدول اهتماماتنا اليومية والمعيشية، وبنفس الوقت كان مطلوباً من الفنان أن يخاطب هذه الذائقة دون أن يتنازل عن مستواه الفني، ليس بمعنى ” أنّ الجمهور عاوز كده” وفق التعبير المصري، لكن على الفنان اجتراح أسلوب فني- وهو موجود في النحت- هذا الأسلوب يستطيع أن يخلق تفاعلاً مع الناس أكثر من باقي الأساليب الحداثوية.

النحات بطرس الرمحين يقول أنّ الملتقى اختار عنوان “الحب والجمال” وهو عنوان ذو نكهة خاصة، ويمكن لكل فنان أن يُعبّر عنه بطريقته، فليس بالضرورة أن يكون الجمال كلاسيكياً، لكنّ خيارات الملتقى تنبع من بعد آخر قد لا يكون فنيا بقدر ما هو اجتماعي، إذ يهدف لتنمية العلاقة المتردية بين الجمهور والعمل الفني، وهذه المسألة ليست نافلة. مع أنني امتلك أسلوبيتي الخاصة التي تمزج ما بين الواقعية والتجريدية.