فارس الحلو يهدي ملتقى النحت لليائسين والمحبطين

اختتم قبل قليل (10- 7) ملتقى النحت العالمي الذي اقيم طوال شهر في بلدة مشتى الحلو الواقعة على مسافة متساوية من محافظات طرطوس حمص وحماه السورية، والتي تعتبر من المواقع السياحية المميزة في سوريا وتمتاز بطبيعتها الساحرة ومناخها المعتدل.

في هذه البلدة أقامت ورشة البستان للثقافة والفنون ملتقى للنحت العالمي (جمال الحب 2) الذي جاء بعد الملتقى الأول الذي أقيم العام الماضي في نفس المكان وأنجز 10 تماثيل وزعت على ساحات وشوارع البلدة. وكان ملتقى العام الماضي قد اقتصر على نحاتين سوريين. إلا أن ملتقى هذا العام الذي أقيم بمشاركة فنانين عالميين من سبع دول أعطى دفعا قويا للفكرة الطموحة التي يهجس بها (فارس الحلو) وهي أن يتكرس هذا الملتقى النحتي كأهم ملتقى نحتي في سوريا وفي المنطقة ويصبح النشاط المرافق له أحد النشاطات الثقافية الموسمية. 

وقد نتج عن هذا الملتقى 13  منحوتة رخامية ستوزع في شوراع وساحات بلدة مشتى الحلو اضافة لبعض (المنحوتات) الخشبية.

وإذ جاء هذا الملتقى تحت إطار تنظيمي سمِّي (ورشة البستان للثقافة والفنون) إلا أن الحقائق على الأرض تقول أن فكرة هذا الملتقى واستمراريته مدينة للفنان السوري فارس الحلو وقد ساعده مجموعة من الأصدقاء الذين رأوا أن هذه المبادرة تؤسس لنشاط ثقافي بعيد عن المؤسسات الرسمية.

إذ جاء في بوستر الملتقى (إن ملتقى النحت العالمي هو أهلي الهوية. يمثل حالة إيجابية من المواطنة ويعزز روح المبادرة والنزعة الإبداعية والأفكار الخلاقة الجديدة) ورأوا أن استمراره للسنة الثانية هو تأسيس لتقليد مختلف لا تغلب عليه النزعة التشكيلية المحضة…
وتقوم فكرة الملتقى على النحت في الهواء الطلق ضمن مساحة على شارع عام ورئيسي في البلدة وهو ما يجعل الجمهور يشاهد الأعمال الإبداعية وهي تنجز وبالتالي فإن أحد مقترحات هذا الملتقى هو إقامة علاقة بين الناس والأعمال الإبداعية قبل أن تنتهي كمنجز فني وهو بهذه الصيغة يخلق شكلاً من التواصل ويعيد ترتيب العلاقة بين المتلقي والفنان من خلال إنجاز الأعمال النحتية في الهواء الطلق كأسلوب في مخاطبة الذوق العام والارتقاء به وبما يشكل حافزاً لاستنهاض الإبداع لدى فئة من الشباب.

ويهدف هذا الملتقى في المدى البعيد إلى تحويل مشتى الحلو إلى متحف للنحت في الهواء الطلق.. وللقائمين على هذا المشروع طموح كبير يتلخص في جعل مشتى الحلو على خارطة المدن الثقافية العلمية الصغيرة كما أنهم يرمون إلى جعل هذا النشاط عموداً لنشاطات ثقافية اخرى تواكبه وتعزز من حضوره الإعلامي والثقافي كمعرض للكتاب ونشاطات أدبية فكرية ونشاط سينمائي… ولتوفير سبل النجاح لهذا الملتقى ولكي لا تذهب هذه المنحوتات بفعل عوامل الحت والتعرية  فقد تم استيراد الحجر خصيصاً من أهم مقالع الرخام في العالم (كرارا) والتي نحت من حجارتها النحات العالمي مايكل انجلو.

الرعاية الرسمية للملتقى كانت تحت رعاية وزارتي الثقافة والسياحة!! إلا أن المتجول في اروقة الملتقى التي هي في الهواء الطلق أساساً لا يلحظ حضوراً فاعلاً أو حتى ملموساً لهاتين الوزارتين، وحين السؤال عم قدمته الوزارتين نلحظ ما يشبه الشكوى بأن ما قدموه من خدمات كجهات راعية لم يكن بالمستوى المأمول، وهي صيغة متحفظة للشكوى دون الوقوع في مجاذبات مع هذه الجهات يمكن لها أن تؤثر على مسار الملتقى في الاعوام المقبلة! 

المفارقة الابرز هي أن الحجر الذي جُلب من إيطاليا لهذا الملتقى الذي هو غير ربحي ويهدف الى النفع العام، لم يعف من الرسوم الجمركية!!

في نشاطات متصلة منفصلة عن المتلقى كان هناك نشاطات أخرى بجانب الملتقى النحتي إذ صاحب الملتقى ورشات مفتوحة للاطفال لتعليمهم مبادئ فن النحت، وكذلك تركيب الفسيفساء، مما خلق تواصلا مع اطفال ربما لاول مرة يمسكون بالطين ويصنعون منه أشكالاً فنية وتجسيدات تقترب من هوايتهم في اللعب لكنها هذه المرة باشراف مختصين.
وكذلك كان بجانب الملتقى ورشة ” للنحت ” عبر الخشب بما يشكل افتراقا عن الشائع في التعامل مع الخشب والذي يطلق عليه عادة الحفر على الخشب.

في ورشة ” الخشب ” المنفصلة مكانياً عن ملتقى النحت كانت الفنانة سيلفا ملكيان تنفذ أعمالاً (أثاثية) مع إضافة جماليات فنية إذا مثَّل أحد أعمالها كرسياً خشبياً يحوي مسنده على بعض الأيقونات والرموز الفنية والدينية، وكذلك الفنان الشاب همام السيد  الذي نفّذ عملا (نحتيا) خشبيا يقوم على فكرة علاقة حوَّاء بالتفاحة من خلال تجديد العلاقة حركياً بين حوَّاء والتفاحة مضيفاً عليها بعض الخطوط التي اعتقد أنها تجسد العالم الغامض للمرأة من خلال الدوامة التي تنسجها هذه الخطوط وفيما يخص الأعمال الخشبية فقد تم تنفيذها في ورشة نجارة تبرع بها أحد الأهالي للملتقى وعبرت سيلفا عن سعادتها وتفاجئها بآن أنه لازال هناك من يهتم بتقديم خدمات لنشاط إبداعي هو غير ربحي بالمحصلة لكنه يجسد اهتمام بعض الناس بإنجاح هذه الفكرة وتقديم ما يستطيعون من الدعم لها.

أحد النجاحات البسيطة التي قدمها هذا الملتقى أنه استطاع أن يجمع الكثير من الوجوه الثقافية السورية في بلدة بعيدة عن العاصمة أو المدن الكبرى الأخرى. 

وهو ما بدا تفاعلا من هؤلاء المثقفين مع فكرة الملتقى. فقد نقل المثقفون مقاهيهم الى مشتى الحلو تلك البلدة الساحرة، وما عزز هذا الحضور هو علاقة فارس الحلو صاحب الفكرة والاصدقاء المتطوعين من حوله مع المثقفين التي تخلو من حسابات المؤسسات الرسمية وكواليسها، فعلى مدار شهر حضر الى الملتقى النحتي الكثير من الصحفيين والكتاب والشعراء السوريين وفي اليوم الذي كنا فيه في الملتقى كان هناك الشاعر السوري عادل محمود، الروائي والسيناريست خالد خليفة والذي بدا كأنه يعمل سائقا لضيوف الملتقى والمشاركين فيه، كان هناك منذر مصري، سعاد جروس، سمر يزبك، إبراهيم قعدوني، راشد عيسى، المخرجة الاردنية سوسن دروزة… وآخرين كثر من المهتمين بالثقافة.. وفي حوارات عديدة دونا بعض المثقفين عن هذا الملتقى:

الشاعر عادل محمود قال: “علاقتي بالنحت تنتمي للصداقة، صداقتي مع العمل النحتي، وصداقتي (مجازيا) مع الفنان الذي يجسد ما قد أعجز عن قوله، وأعتبر الفن بشكل عام محاولة فاشلة للخلود ولكنها أجمل المحاولات العقلية التي حاولها الإنسان… المنحوتة التي تعجبني هي المنحوتة التي استطاع النحات أن يصنع من قلبها شيئا يعجبني. أما عن هذا الملتقى تحديداً فأنا أعتبر فارس الحلو من أشجع الذين وسَّعوا دائرة العمل الثقافي بأسلوب يخصه. أنا أعتبر الملتقى مكسب، وما سينجزه هو مكسب للجميع”.

بينما رأت المخرجة الاردنية سوسن دروزة،: “إن هذا الملتقى عدا عن كونه ملتقى للنحت فهو ينتمي لفنون الأماكن العامة التي تشكل تجسيراً بين مكان وإنسان ومنجز فني. إن جوهر الفكرة هو تقبل الناس وخلق التواصل الذي يعتبر بنفس أهمية المنجز الفني الذي ينجز في مكان (بلدة) حتى لو كانت مصيف، إن الخروج من العاصمة أمر مهم وفكرة جميلة كما أنني أحلم بأن يكون هناك تنوع في النشاطات في الملتقيات القادمة”.

الأعمال النحتية تتطلب جهد يقوم على تحويل حجم من الصخر إلى عمل فني، هذا ما بدأ به الشاعر منذر مصري حديثه،: “مما لاحظته في الملتقى أن هناك رغبة من الفنانين في عدم إستظهار خبراتهم كأنهم يشتغلون من جديد وهذا شكَّل مبرراً لطرح التجريب في بعض الأعمال الفنية كمحمد بعجانو الذي شكلت منحوتته محاولة جريئة لنقل أساليب الأيقونة التي هي مادة ذات بعدين وتحويله إلى عمل نحتي أو كتلة ذات ثلاث أبعاد. هناك تفكير هندسي أكثر من التفكير بالخطوط الفنية، وما حاوله الفنانون هو تنفيذ لأفكار نحتية. كما أن ما شاهدته من أعمال (نحتية) خشبية يمثل طرق تمتلك مشروعيتها الخاصة في التعبير، فأعمال (سيلفا) هي أعمال أدواتية لكنها ذات لمسة جمالية بينما لدى (همام) هناك محاولة لطرح عمل جديد لكن المعالجة لم تكن بمستوى الطموح”. 

أما إبراهيم قعدوني فقد رأى أن أهمية الملتقى: “حسب اعتقادي تتمثل بترويج فن النحت وإخراجه عن شكله النخبوي أو بتعبير أدق وضعه بين متناول عموم الشارع الثقافي، لم نسمع من قبل عن ظاهرة مشابهة ولم أكن أنتظر أن أرى نحاتين يحاورون صخورهم”..