في ملتقى الرسم الدولي الأول في سوريا
رغم جدلية العلاقة التي تربط بين الشعر والرسم إلا أن ورشة البستان للثقافة والفنون أرادت أن تجد حلا لهذه العلاقة عبر تأسيس متحف لقصائد الفن التشكيلي بملتقى الرسم الدولي الأول وخلق نواة فنية متكاملة لمعرض دولي متجول بالتعاون مع الجاليات السورية المتواجدة في دول العالم، وقد جاء هذا الملتقى بعد نجاح دورتين لملتقى النحت العالمي الذي لاقى إقبالا واسعا من فئات المجتمع كافة.
واليوم تدعو ورشة البستان إلى منهج مختلف عن الملتقيات السابقة حيث أرادت من الفنانين أن يطبعوا إحساسهم على أعمالهم الفنية بعد اختيارهم لقصيدة من الأدب المحلي أو العالمي، وأن يكون موضوعها الحب كمحاولة للرسم بالكلمة ودمج هاتين اللغتين بلغة التعبير عن مشاعر الذات ومكنونات النفس ومحاولة لتأسيس بنية إضافية للحوار التشكيلي النادر…
وقد أعلن الفنان فارس الحلو والفنان التشكيلي فؤاد أبو سعدة عن هذا المشروع في مؤتمر صحفي، وأكد الحلو أن هذا الملتقى هو نتيجة جهود مجموعة من الأيادي البيضاء التي تسعى من خلال العمل التطوعي إلى إنشاء مشاريع ثقافية وعدم انتظار المؤسسات الرسمية بل الاندفاع إلى العمل واعتبار هذا الملتقى مركزاً للحوار والعمل وخاصة بعد الدور التحريضي الذي بثه ملتقى النحت الأول والثاني، وقال:
إن هذا المتحف المقترح سيستقطب كل الفنانين التشكيليين في المستقبل لكي يكوّنوا لوحة شعرية تجسد ثقافتهم وخبرتهم الفنية، كما سيتاح لمتذوقي الفن التشكيلي التعرف على ذائقة الفنان الأدبية وطريقة معالجته للعمل الفني وتأثير خبراته المعرفية والتقنية والثقافية على منجزه الإبداعي الحالي… وأضاف: إن نجاح المشاريع الثقافية في مجتمعاتنا المتخلفة يبقى نجاحا محدودا إذا غابت عنها بعض المقومات، أولها: إذا لم تستطع هذه المشاريع أن تلفت نظر المجتمع المحلي وتشركه فيها، وثانيها إذا لم تحمل فكرتها إشكالية ما، وثالثها أن يكون هدفها قريب المدى وبعيده في آن واحد وآخرها أن يتوافر مصدر التمويل الكافي لتغطية تكلفتها والتي غالبا لا تكون كبيرة..
واستطاعت ورشة البستان أن تحقق هذه المقومات في المشاريع السابقة والذي رافقته أنشطة ثقافية مختلفة…
وأما الفنان فؤاد أبو سعدة فقد أكد أن هذه المناسبة تعني له الكثير وخاصة أنها كانت حلما يراود مخيلته لسنوات طويلة بعد تجربة فنية ذاتية عاشها قبل سفره إلى إسبانيا وبعد عودته منها، وإذا عدنا إلى بداية الحركة التشكيلية السورية نرى أنها وقعت في ازدواجية العودة إلى الأصول واللحاق بركب الحداثة لذا لابد من أن نكوّن ثقافتنا وأن نعرف كيف يفكر الآخر وما دوافعه وخاصة أن العديد من الفنانين يحسدوننا على ما لدينا من صور تشكيلية متراكمة عبر التاريخ في الوقت الذي لا نبتعد فيه على أن نكون معاصرين ومحدثين ومجددين…
والفنان أبو سعدة عاد إلى قصيدة للشاعر أدونيس ليبني منها لوحته الشعرية التي لا بد لها من أن تحمل لمسات من الشرق وخاصة أنه فنان عاش في إسبانيا لفترة من الزمن واكتسب منها الكثير لذا نلاحظ في أعماله لغة تجريدية بصرية تحمل مدلولات جمالية وفكرية تربط بين ذاته وبين الواقع الذي نعيش فيه، وهذا الفنان أيضاً ينتمي إلى الجيل الذي رسخ تعبيرية جديدة في التشكيل السوري حيث كان معرضه الأول عام 1971، ومن ثم أقام العديد من المعارض في الجزائر وباريس والرياض وبرشلونة، في حين اختار الفنان جبر علوان قصيدة للشاعر العراقي سعدي يوسف تحت عنوان «امرأة صامتة» وقد جعل من لوحته الحالية التي اكتسبها من ثقافات بصرية متعددة تزخر باللون وتضج بالحياة بعد معارض كثيرة أقامها في أوروبا والعالم العربي ولاسيما أنه عاش متنقلاً بين العراق وإيطاليا وسورية.
وأما الفنان يوسف عبدلكي الذي تخرج في جامعة دمشق قسم الحفر عام 1976 والذي حصل على دبلوم حفر من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة «بوزار» في باريس عام 1986 اختار قصيدة «كم من البلاد أيتها الحرية» للشاعر والفنان نزيه أبو عفش، كما أنه استعار من الحياة بعضا من المفردات وأرادها أن تعبر بلغته التشكيلية عن واقع معيشتنا.
وأما بالنسبة للفنان بهرام حاجو الذي درس الفن في أكاديمية الفنون في ألمانيا فإن لوحته تمتاز بالاشتغال على عزلة الإنسان في رؤية تقوم على تناغم الرموز وتناقضها، وفي هذا الملتقى اختار قصيدة للشاعر نزار قباني بعنوان «أول أنثى أول رجل» في حين اختار الفنان جاكو حاج يوسف الذي هاجر إلى السويد باكرا قصيدة «الأطلال» للشاعر إبراهيم ناجي التي خلدتها أم كلثوم في واحدة من أشهر أغانيها والتي تعبر عن الشغف والحنين، وتمتاز لوحات جاكو بإضاءة عوالم منسية ومشحونة بالحنين والتذكر في روح شرقية..
وأما الفنان ماهر بارودي الذي تنشغل أعماله بتشريح الوجوه الحيوانية وأنسنتها بتعبيرية صامتة فاختار قصيدة للشاعر نزار قباني بعنوان «لابد أن أستأذن الوطن» وقد اختار الفنان فاروق قندجي الذي يقيم حالياً في جدة قصيدة مرهفة للشاعر محمود نقشو وأما الفنان أسامة نصار الذي أكمل دراسته العليا في «كرارا» بإيطاليا فاختار قصيدة لأدونيس في محاولة لتفكيك الفضاء الشعري له بأدواته الخاصة، وكذلك بالنسبة للفنان سيروان باران عارف من العراق الذي أراد أن يعبر عن لوحته من خلال الجواهري «بغداد» وهذا الفنان حصل على الجائزة الأولى في معرض الشباب في بغداد ووسام تقدير من بينالي القاهرة والوسام الذهبي من مهرجان المحرس الدولي في تونس والجائزة التقديرية من بينالي بغداد.
كذلك كان للصين نصيب في هذا الملتقى حيث شارك الفنان لينغ جونوو الذي تخرج من فصل طلبة الماجستير من قسم الرسم المحفور لكلية الفنون المركزية عام 2000 وهو مدير أكاديمية الرسم المحفور في مدينة سوتشو ومعاون مدير دار الفنون الجميلة في المدينة ذاتها، وقد فازت أعماله بالجائزة البرونزية في معرض الفنون العاشر لعموم الصين وذهب إلى بكين عام 1995 لمواصلة الدراسات العليا في إدارة شؤون الطباعة في الأكاديمية الصينية للفنون الجميلة.
ومن استراليا كان هناك الفنان كين جونسون الذي يشارك لأول مرة في معرض جماعي في العالم العربي، الأمر الذي يتيح للمتلقي فرصة استثنائية للتعرف عن كثب على لوحات هذا الفنان الذي يشتبك في هذا المعرض مع قصيدة للشاعر الفارسي جلال الدين الرومي بكل ماتحملها من صوفية وأشواق، وكذلك شارك من إيطاليا الفنان عمر غالياني الذي اختار قصيدة من أعمال الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا ولوحات عمر تشكل ألوانا وأطيافا وتولي اهتماما للأسلوب التجريبي…
وبذلك يعمل هذا الملتقى على تقديم فنوننا المعاصرة وثقافتنا للطرف الآخر كنوع من الحوار وللاطلاع أيضاً على ثقافة الآخرين لدعم سبل الحراك الثقافي وخلق فرصة للحوار الإبداعي والتقني بين مختلف المجتمعات الإنسانية..













