كيف يتمكَّن اللامرئي في الشعر من رونق مرئي؟ كيف تتحوَّل القصيدة إلى عمل تصويري يتماهى فيه اللون والخط والكتلة والفراغ مع الصور الشعرية؟ كيف يصبح القارئ مشاهداً؟ كيف نتنقل من القراءة إلى البصر؟
من هذه الهموم تنطلق ورشة البستان الثقافية في مشروعها الجديد «قصائد الفن التشكيلي»، ففي المتحف الوطني، وسط المدينة، حيث استطاع الفنان فارس الحلو تنفيذ فكرته الجديدة، التفَّ عقد من المصورين: جبر علوان، بهرم حاجو، يوسف عبد لكي، أسامة النصار، هيلدا الحياري، كي يعيدوا إنتاج قصائد: أدونيس، نزار قباني، سعدي يوسف، نزيه أبو عفش، محمد مهدي الجواهري، قاسم حداد، جلال الدين الرومي، كل واحدٍ من الفنانين المشاركين في الورشة حاول التمكّن، في الهواء الطلق وتحت أنظار الفضوليين، من مادته التعبيرية، بما فيه من شغفٍ وصبواتٍ، وذلك عن طريق خوض اللعبة التي اقترحها الحلو بخلق وشائج قربى مع الحرف والكلمة واللغة.
ولأنَّ دخول المتحف، بحد ذاته، يستطيع التشويش على الحواس، كما هي مخدرات رامبو، عملت ورشة الرسامين، مع قطعتهم الشعرية المنتصبة بمهابة، على إيصال الزائر إلى حالة غيبوبة جمالية، حتى إنَّه لن ينتج عن دخول المتحف سوى الهذيان.. هذه السطور، بهذا المعنى، ليست سوى محاولة، بائسة وفقيرة، في تخفيف هول الهستيريا إلى حد مقبولٍ، ممكن التواصل فلنتحاور بالهذر، بالهلوسة، بالجنون.
حين وصلنا إليه قفز الخروف البلدي، من اللوحة، ظانّاً أنّنا قصابين. ركض مذعوراً في المكان، وبذعره فرّق المحتشدين، حاول جبر علوان هشّه بفرشاته الطّويلة، لكنّ الخروف قفز بمهارة إلى اللّوحة غير المكتملة، حيث تنام امرأة ناقصة، في حلم شهوانيّ وضع خامته الشّعرية سعدي يوسف، في مجموعته «إيروتيكا.
نهضت المرأة النائمة بأسى من رأى كابوساً، حين شاهدت الخروف الذي يتقمّص شخصيّة خنزير بريّ، في غرفة نومها، أمستكه من قرنيه… ضمته ثم أرضعته. قلّ الأبيض في اللوحة، لكنّها تجاسرت وتحاملت على موتها. وعند شبعه خرَّ نائماً. عاود الرسام التلوين كمن يقوم بمهمة مستحيلة، مثل طبيب في جراحة خطيرة، لا يوفر وسيلة لإبقاء الجسد ناقصاً. أخيراً استرجعت امرأة اللوحة نضارتها.
هذا المشهد، بالتّحديد، يحتمل وجهتي نظر؛ الأولى من الخارج: ظنَّ جبر أنَّ الخروف الذي صدم اللوحة أفسدها، لذا كلّ عمليات الترميم التي أجراها ممتعضاً، كانت خشية أن يفوته الوقت. وجهة النّظر الثّانية هي الخطيرة والمجنونة: المساحة التي كانت تعيش فيها المرأة أوشكت على التلاشي. داهمها وباء العدم. لذا أرضعت الخروف ليحرِّك في جسدها قوة الحياة، أما الخروف نفسه فصار رجلاً. شيء يشبه ما حدث لأنكيدو في ملحمة «جلجامش».
هيئة المشعوذ التي اتَّخذها الرسام الأسترالي كين جونسون قيَّضت له إحلال لعناته على الرجل والمرأة، باستحضاره تمائم مولانا جلال الدين الرومي. إلى محرقته، أقصد لوحته، أخذهما. صهر الجسدين النحاس. خيميائيّ أرعن يريد الوصول إلى الذهب. تداخل الجسدان الفارغان إلا من الخطوط الخارجية، على خلفية صفراء غامقة. خطّ واحد منحنٍ صنع شبكة عنكبوتيّة، كأنهما بعل وعشتار، ساعة حرَّرت العاشقة عاشقها من أسر الموت. لكنها، وخلافاً للأسطورة، عادت ضيَّعته. قوَّة الفراق كانت في الجولة الثانية، في لوحة أسامة النّصار. الخريطة رسمها أدونيس «ليس للحبِّ إلا طريق عمودية» المرأة صارتْ جغرافياً جسداً يتسلسل كالجبال على امتداد الأفق. الرّجل، أينما ذهب، لابدَّ أنه واصل إليها.
دوائر.. دوائر.. مربعات.. خطوط.. داخ الجسدان في رحلة بلا ملامح.. أخيراً صارا نحن. أنا وأنت. بهرم حاجو وضعنا في طريقٍ لانهائية. بناء على خريطة رسمها نزار قباني: « يتهيَّأ لي أني قابلتك/ قبل العصر الكنعاني وقبل العصر الكلداني /وقبل العصر اليوناني/ وقبل العصر الفينيقي/ وقبل حدود الوقت، وتسمية الأيام/ أتصوَّر أنك كنت امرأتي.. قبل ملايين الأعوام».. سرنا وسرنا. آدم وحواء. إساف ونائلة. أنطونيو وكليوباترا. العشاق كلّهم، أنا وأنتِ، هو وهي. ضمير متكلِّم غائب في المخاطب. بهرم حاجو رسمنا فوجدنا أنفسنا نبني العالم أوَّل بأوَّل.
أنت: إلى أين؟
أنا: هناك…. إلينا!
أنت: وأين نكون؟
أنا: فيك فيَّ، في كلِّ مكان!
قصيدة نحن، والآخرون يقرؤونها بالتّفرج.

