لا يبتعد الشعر عن الرسم كثيراً، فهما، وإنْ اختلفا في أدوات الخلق ووسائل التعبير وطرق الانتشار، ينتميان إلى عوالم إبداعية متقاربة ذات خصوصية تخاطب الروح، والوجدان أولاً، ويسعيان إلى الكشف عن جوهر الأشياء بأكثر المواد هشاشة ورقّة: الحبر واللون. من هنا قيل إن «القصيدة لوحة ناطقة، واللوحة قصيدة صامتة.
وإذا أردنا تعزيز هذه الرؤية، فإننا سنجد أنّ تجارب الكثر من المبدعين برهنت على هذه العلاقة الأليفة التي تربط بين اللوحة والقصيدة: فيكتور هيغو، جبران خليل جبران، أنطونان آرتو، هنري ميشو، فاتح المدرس، أدونيس… وسواهم ممن خاطبوا ذائقة المتلقي مرة بالقلم، وتارة بالفرشاة.
انطلاقاً من هذه الجدلية الحميمة التي تجمع بين بياض الورقة، وبياض القماش، آثرت ورشة «البستان» للفنون، وبمبادرة مخلصة، وطيبة من الفنان السوري فارس الحلو، وبدعم من جهات خاصة، أن تقيم «ملتقى الرسم الدولي الأول في سوريا» في حديقة المتحف الوطني في دمشق التي شهدت كل نشاطات الملتقى.
شارك في هذا الملتقى، الذي سبقه ملتقى آخر للنحت أقامه الحلو العام الماضي في بلدته مشتى الحلو، عدد من الفنانين التشكيليين السوريين المغتربين الذين استقروا في المنافي الأوروبية، وراحوا يفتشون عن تعبيرات بصرية مغايرة لثقافتهم المحلية التي بقيت حاضرة في الذاكرة لتمتزج مع ثقافات بلدان الإقامة الجديدة. وعلى رغم اغترابهم الطويل، لم يبتعد هؤلاء من مفردات ثقافتهم الأصلية ورموزها.
ولعل في اختيار قصائد الشعراء التي استوحوا منها لوحاتهم ما يدل الى هذا الارتباط بالجذور. الشاعر الذي احتل قائمة الاختيار كان نزار قباني كما فعل الفنان الكردي السوري بهرام حاجو، وكذلك السوري ماهر البارودي، بينما اختار يوسف عبدلكي قصيدة للشاعر نزيه أبو عفش، في حين اختار كل من أسامة نصار، وفؤاد أبو سعدة قصيدتين لأدونيس، وجاكو حاج يوسف اختار قصيدة «الأطلال» لإبراهيم ناجي.
وشارك في الملتقى فنانون آخرون: من العراق جبر علوان الذي اختار قصيدة لسعدي يوسف، ومن كردستان العراق سيروان باران عارف الذي اختار قصيدة للجواهري، ومن الأردن هيلدا حياري التي اختارت قصيدة لقاسم حداد، فضلاً عن مشاركة فنانين أجانب.
فمن الصين جاء لينغ جونوو الذي اختار قصيدة صينية، ومن ايطاليا جاء عمر غالياني الذي ذهب إلى أميركا اللاتينية فاختار بابلو نيرودا، ومن استراليا حضر كين جونسون الذي عاد قروناً إلى الوراء إذ اختار، في صورة تدعو للحيرة، المتصوف جلال الدين الرومي.
فنانون انتموا إلى تجارب واتجاهات ومرجعيات وجغرافيات مختلفة، حاولوا ترجمة ما يعتمل في دواخلهم، بصرياً، بالاستناد إلى ما تمليه عليهم قصيدتهم المختارة. من التعبيرية إلى الانطباعية إلى الواقعية إلى التجريد…
سعى الفنانون إلى تأويل قصائد شعراء سطّروا بدورهم قضايا وهواجس وأسئلة مختلفة، فجاءت الأعمال المنجزة مختلفة في كل شيء، في الحجوم والتقنيات والأسئلة… لكن الفضاء الذي جمعهم وفر مناخاً من الألفة، وأنتج نشاطاً ثقافياً لافتاً، سادته روح التفاهم بين فنانين رفعوا صوتهم عالياً لأجل الحرية والحب والجمال، ونبذوا القمع والاضطهاد والعنف.
هذا الاختلاف هو أحد أهداف الملتقى، الذي يسعى إلى تكريس ثقافة التعدد والتنوع، عبر لغة تشكيلية خصبة حاولت تأويل المفردة باللون، واستعانت بالريشة لترسم ما خطه القلم، فأنشأت حواراً عميقاً تفصح عنه اللوحات المعروضة التي جاءت ثمرة جهود فردية ترغب في أن تكون هذه اللوحات نواة لمتحف منتظر سيؤسس تحت مسمى: متحف قصائد الفن التشكيلي، كما يأمل الحلو، في محاولة لتكريس ثقافة سورية محلية تعانق الثقافة الإنسانية بكل رحابتها وثرائها. وكان لافتاً أن القصائد المختارة طبعت بأحرف كبيرة، وعلقت إلى جانب اللوحات التي استوحيت منها، ما أتاح للجمهور السوري المحروم من تظاهرات ثقافية مماثلة، أن يقرأ القصيدة، ويمعن النظر في اللوحات باحثاً في أشكالها وألوانها ورموزها… عن المعاني التي انطوت عليها القصيدة. وعلى رغم شكوى الحلو من أن الجهات الرسمية لم تفِ بوعدها في دعم الملتقى، غير أن ما سماها «الأيادي البيضاء» هي التي تكاتفت، واجتهدت لإنجاز هذا النشاط كي يكون تحية حارة لدمشق التي اختيرت عاصمة للثقافة هذه السنة، لكنها تحية لا تنتظر «العطايا والمنح»، بل هي احتفاء بالثقافة في بعديها: الإبداعي، والجمالي، بعيداً من أي معنى دعائي أو خطابي.

